التخطي إلى المحتوى
الدور المصري في قطاع غزة ما بعد أيار 2021- يوسف أبو وطفة

الدور المصري في قطاع غزة ما بعد أيار 2021
غزة / المشرق نيوز

تأتي هذه الورقة ضمن إنتاج المشاركين/ات في برنامج “التفكير الإستراتيجي وإعداد السياسات” – الدورة السابعة، الذي ينفذه مركز مسارات بالتعاون مع الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي.

ارتبط الدور المصري في قطاع غزة منذ العام 2006 بملفات ذات بعدين أمني واقتصادي، فعلى مدار 15 عامًا واجه القطاع اعتداءات الاحتلال الإسرائيلي، ولعبت جمهورية مصر العربية حينها دور الوسيط في تحريك ملف التهدئة، كما كان لجهاز المخابرات العامة المصرية الدور الأساسي في التوصل إلى اتفاق تبادل أسرى بين حركة المقاومة الإسلامية “حماس” و”إسرائيل” في العام 2011. 

شهدت المرحلة ما بعد العدوان الأخير على قطاع غزة في أيار/مايو 2021 دخولًا مصريًا على ملف ذي طابع مختلف، يتمثل في عملية إعادة إعمار غزة، بعد إعلان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عن منحة مصرية بقيمة 500 مليون دولار أميركي بمشاركة الشركات المصرية.[1]

وعند قراءة الدور المصري المرتبط بعملية إعادة الإعمار، تظهر إشكاليات عدة، منها: خلفية حركة “حماس” المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، التي يصنفها النظام المصري “منظمة إرهابية محظورة”، وعلاقتها بدول مثل قطر وتركيا وإيران، وهي دول لم تربطها بمصر علاقات طيبة حتى وقت قريب، إضافة إلى وجود أطراف لاعبة في المشهد مثل “إسرائيل” والسلطة الفلسطينية والفصائل في غزة.

يكمن السؤال في ماهية الدور المصري في إعمار قطاع غزة، وأسباب التغيير التي طرأت عليه، وما الأهداف التي تسعى مصر لتحقيقها من ذلك؟

الدور المصري في غزة منذ الانقسام

تنامى الدور المصري في العمل مع الفصائل في غزة في أعقاب صعود حركة حماس إلى سدة الحكم عقب الانتخابات التشريعية العام 2006، إذ برز دور القاهرة في الوساطة بين حركة التحرير الوطني الفلسطيني “فتح” و”حماس” قبيل أحداث الانقسام الداخلي، عبر إقامة وفد أمني مصري دائم في قطاع غزة لاحتواء أي توتر حاصل بين الحركتين. 

وتنامى هذا الدور بعد ذلك، إذ قادت مصر ملف تثبيت التهدئة بين فصائل المقاومة في القطاع و”إسرائيل”، في أكثر من مناسبة اعتبارًا من 2007، كما تجلى الحضور المصري في قيادة مفاوضات صفقة التبادل التي بدأت أواخر العام 2009، وتكلل هذا الجهد بالنجاح في إبرام صفقة تبادل أسرى بين “حماس” و”إسرائيل” في العام 2011.

وتطور هذا الدور بعد صعود الإخوان المسلمين في مصر إلى الحكم، إذ استقبل الرئيس المصري السابق محمد مرسي، في القصر الرئاسي بالقاهرة، في العام 2012، كلًا من: خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحماس آنذاك، وإسماعيل هنية، رئيس الحكومة المقالة حينها.[2]

ومع سقوط الإخوان في العام 2013، أخذت العلاقة شكلًا مختلفًا في عهد الرئيس السيسي، إذ بدأ الجيش المصري بعدها بعام بحملة أمنية تستهدف الأنفاق الأرضية التي تربط القطاع بالأراضي المصرية، التي كانت تستخدم لتهريب البضائع التجارية، بعد إقرار قانون يجرم حفرها.[3]

وشهد، شباط/فبراير 2015، تحولًا سلبيًا في شكل العلاقة حينما أعلنت محكمة الأمور المستعجلة في القاهرة حركة حماس تنظيمًا إرهابيًا، قبل أن تلغي محكمة مصرية أخرى القرار في منتصف العام ذاته، وهو ما اعتبرته الحركة خطوة إيجابية.[4]

وفي العام 2017، أصدرت الحركة وثيقتها السياسية الجديدة[5]، التي نفت فيها أي ارتباط رسمي تنظيمي بالجماعة، وهو ما أكده تصريح إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي للحركة، في إحدى زياراته للقاهرة، إذ قال: “نحن ليس لنا أي ارتباط تنظيمي بجماعة الإخوان في مصر أو حتى في غير مصر”.[6]

وفي العام 2018، أخذت العلاقة بين الطرفين طابعًا مختلفًا تمثلت في تبادل الزيارات بين شخصيات رفيعة في حركة حماس، وقيادة جهاز المخابرات المصرية، وشهدت السنوات الثلاث الأخيرة حضورًا مصريًا في قضايا القطاع.[7]

أما معبر رفح فثمة شكوك عن استخدامه من قبل السلطات المصرية من أجل الضغط على الفصائل الفلسطينية إذا ما اختارت الأخيرة التصعيد مع “إسرائيل” وعدم الاستجابة لمحاولة الهدوء، كما حصل في 23 آب/أغسطس 2021، حينما أغلقت مصر المعبر لثلاثة أيام في أعقاب تظاهرات أقامتها الفصائل على حدود غزة، جرى فيها إصابة قناص إسرائيلي أعلن لاحقًا عن مقتله.[8]

ويشكل المعبر بالنسبة إلى القطاع وسكانه وحركة حماس شريان الحياة، لا سيما مع وجود بوابة صلاح الدين الواقعة بين الأراضي المصرية وقطاع غزة، التي تعدّ رافدًا مهمًا لخزينة المالية التي تديرها الحركة، وهو ما يدفع “حماس” إلى تجنب الصدام مع مصر.

الإعمار المصري للقطاع وماهيته

بعد سنوات من اقتصار الدور المصري على ملفات التهدئة والأمن والتبادل التجاري والمصالحة في قطاع غزة، جاءت معركة “سيف القدس” في أيار/مايو 2021 لتشكل تحولًا كبيرًا في ماهية الدور المصري في غزة، من خلال تبني الرئيس السيسي حملةً لإعمار غزة، أعقبها انطلاق 130 حاوية محملة بأكثر من 3000 طن من المواد الغذائية إلى القطاع.[9]

وشاركت آليات الهدم والبناء والعمال المصريون في إزالة كميات كبيرة من ركام الأبراج المدمرة في القصف الإسرائيلي لغزة خلال معركة سيف القدس، وتبع ذلك زيارة للواء عباس كامل، رئيس جهاز المخابرات المصرية إلى القطاع، في 31 أيار/مايو 2021.[10]

وتلا ذلك زيارات متبادلة قامت بها وفود فنية وهندسية لشخصيات مصرية وأخرى فلسطينية بين القاهرة وغزة شهدت نقاشًا للتفاصيل المتعلقة بكيفية تنفيذ عملية إعمار القطاع، وتقديم مقترحات وخرائط للأبراج والبينة التحتية التي دمرها الاحتلال خلال العدوان الأخير.[11]

دوافع مشتركة وعوامل مؤثرة

توجد دوافع مشتركة لكل طرف من الأطراف، سواء مصر أو الفصائل في غزة، وتحديدًا حركة حماس، تزامنًا مع وجود عوامل أخرى مؤثرة لأطراف حاضرة وبارزة في المشهد مثل “إسرائيل” والسلطة الفلسطينية.

دوافع مصر:

  • الإمساك بملف غزة والتهدئة كلاعب بارز رئيسي ومحتكر لهذا الملف.
  • البعد السياسي الدولي والاستفادة الخارجية من هذا الملف على صعيد العلاقات مع دول، مثل الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي و”إسرائيل”. 
  • المحافظة على استقرار الحالة الأمنية في سيناء، من خلال تعزيز الحضور في غزة عبر جهاز المخابرات، أو من خلال الشركات المصرية التي ستساهم في الإعمار، أو عبر التفاهم مع حركة حماس على ضبط الحدود.
  • الاستفادة الاقتصادية والعوائد المالية من عملية إعادة الإعمار عبر توريد مواد البناء عبر بوابة صلاح الدين، وليس من خلال معبر كرم أبو سالم المرتبط بالاحتلال الإسرائيلي، وتعزيز حضور الشركات المصرية في غزة.

دوافع “حماس”: 

  • الاستفادة من الدور المصري في تثبيت حالة الهدوء والحصول على مكاسب حياتية أكبر من خلال العلاقة الإيجابية التي تجمع النظام المصري الحالي بـ”إسرائيل”.
  • الحاجة إلى تخفيف الأزمة الإنسانية عبر استمرار فتح معبر رفح.
  • تحقيق صفقة تبادل أسرى مقابل الجنود الإسرائيليين الذي يحتفظ بهم الجناح العسكري للحركة في غزة منذ عدوان 2014.

أما الأطراف الأخرى اللاعبة فتتمثل فيما يأتي:

إسرائيل: تربط تل أبيب عملية إعادة الإعمار والتنمية في غزة بحل ملف الجنود الأسرى، وتشترط إعادة جنودها قبل الشروع في هذه العملية، وهو ما قد يعرقل الجهد المصري. 

السلطة الفلسطينية: يبدو موقف السلطة تجاه عملية إعادة الإعمار واضحًا، وهو ضرورة أن يكون هذا الملف عبر بوابتها باعتبارها الجسم الشرعي الرسمي للفلسطينيين أمام العالم، وهو ما عبر عنه رئيس الوزراء محمد اشتية خلال جلسة لمجلس الوزراء عقدت في 8 حزيران/يونيو 2021، بالقول: “تم الاتفاق مع جميع دول العالم على أن إعادة الإعمار ستتم من خلال الحكومة الفلسطينية”.[12][13]

وأعلنت مجلس الوزراء في جلسته هذه عن تشكيل فريق إعادة إعمار المحافظات الجنوبية على أن ينسق عمله مع مكتب رئيس الوزراء، وضم الفريق وزراء وممثلين عن القطاع الخاص، إلى جانب ناجي سرحان، وكيل وزارة الأشغال والحكم المحلي في غزة ضمن الحكومة المحسوبة على حركة حماس، الذي استقال من اللجنة معتبرًا أن القرار منفر وبعيد عن التوافق الوطني

الفصائل الفلسطينية: طالبت فصائل مثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بتشكيل لجنة وطنية عليا لإعادة الإعمار يشارك فيها جميع القطاعات[14]، أما الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين فدعت هي الأخرى إلى التوافق على تشكيل مجلس وطني أعلى لإعادة الإعمار[15]، فيما أعلنت الجهاد الإسلامي إلى التوافق على تشكيل مجلس لإعمار غزة يضم ممثلين عن الجميع، بما في ذلك السلطة وحركة حماس.[16]

مؤسسات المجتمع المدني: رفضت شبكة المنظمات الأهلية في ورقة موقف أصدرتها ووقعت عليها 120 منظمة قرار مجلس الوزراء القاضي بتشكيل الفريق الوطني لإعادة إعمار غزة، وطالبت المؤسسات بإجراء حوار معمق يفضي إلى مشاركة حقيقة لمؤسسات المجتمع المدني.[17]

قطر: أعلن ناجي سرحان أن عملية الإعمار قد بدأت بشكل فعلي بجهود قطرية ومصرية بمبلغ 500 مليون دولار من كل منهما، مع توقع وجود مساهمات كويتية وسعودية، مع وجود حاجة إلى مبلغ 3 مليارات دولار لإتمام العملية بشكل كامل.[18]

سيناريوهات عملية إعادة الإعمار

سيكون مستقبل الدور المصري في عملية إعادة الإعمار مرتبطًا بتوفر الأموال، فعلى الرغم من إعلان الرئيس المصري عن منحة مالية لصالح هذه العملية، إلا أنه لم يوضح إذا ما تم رصد هذه الأموال بشكل رسمي، أو أنها ستكون عبر تزويد القطاع بالمواد الخام اللازمة، أو عبر المعدات والأيدي العاملة المصرية.

وهو الأمر الذي يفتح المجال أمام سيناريوهات متعددة بشأن دور القاهرة في عملية إعادة الإعمار تتمثل فيما يأتي:

  • نجاح مصر في إعادة إعمار القطاع بشكل كامل، وتنفيذ المشاريع المطلوبة بصورة شاملة.
  • مشاركة دول مثل قطر والكويت لمصر في عملية إعادة الإعمار وفقًا لتوفر السيولة النقدية والتنفيذ الفعلي على الأرض، إذ تقوم كل دولة بجهودها بشكل منفصل بالتنسيق مع الجهات الحكومية في غزة.
  • عدم قيام القاهرة بأي دور حقيقي على الأرض في عملية إعادة الإعمار، وهو سيناريو مستبعد أمام رغبتها في الحفاظ على هدوء جبهة غزة، إلى جانب الدور الميداني الواضح الذي لعبته في إزالة الركام والأضرار الناجمة عن الحرب الأخيرة.

خاتمة

سيكون نجاح القاهرة في تنفيذ عملية إعادة الإعمار مرتبطًا بواقع العلاقة بين غزة و “تل أبيب”، إلى جانب طبيعة علاقتها بالفصائل الفلسطينية في قطاع غزة التي يبدو أنها تقدم موقفًا معلنًا بالحفاظ على سقف مرتفع من التفاهم والعلاقات الإيجابية مع السلطات المصرية.

وسيلعب حضور أطراف مثل الكويت وقطر دورًا يُحجّم من الدور المصري في ملف إعادة الإعمار وقد لا يبقيه الوحيد في هذا الملف، مع الانفتاح على أية مبادرات عربية ودولية داعمة لهذا الدور مثل الإمارات أو السعودية.

في المقابل، ستسعى حركة حماس والفصائل للمحافظة على الدور المصري بشكل أكبر؛ للاستفادة منه في تحصيل أكبر استفادة ممكنة، عبر المزيد من التسهيلات عبر معبر رفح البري، أو إدخال السلع والمواد التجارية التي تعزز خزينة وزارة المالية التي تديرها حركة حماس في القطاع.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *