بعيدًا عن التحليل السياسي.. السبهان في الرقة

إيهاب زكي - بيروت برس - 

لا ضير من بدء المقال بحكمة دحام العنزي، محلل سعودي، حيث قال تعليقًا على زيارة الوزير السعودي ثامر السبهان إلى الرقة "أنّها بمثابة رسالة من فخر الأمة محمد بن سلمان للعدو التركي والعدو الإيراني ونظام الأسد"، وللتنويه ففخر الأمة هذه هو قالها وكررها مرارًا، وليست إضافة مني بهدف السخرية والتقريع. أمّا عن فحوى الرسالة، فقال "أنّ السعودية القوة العظمى التي تضاهي الخمس الكبار، ستقطع كل يدٍ تمتد للأراضي العربية في سوريا والعراق واليمن"، والألفاظ هنا واردة بحرفيتها حتى لا يظنن أحد أنني أحاول من خلال التقول، تقديم بلاغ عام عن الرجل لإدارة المصح العقلي، والعنزي هذا ليس حالة فردية يعبر عن شخصه، بل هو تيار عام كرر نفس المعاني باختلاف الألفاظ عن زيارة السبهان للرقة، ولكن بعيدًا عن هذه الظاهرة المتورمة ذهنيًا ونفسيًا، ماذا كان يفعل السبهان في الرقة.

في الوقت الذي كان السبهان مرافقًا للمبعوث الأمريكي في الرقة، كانت وكالات الأنباء تتناقل تصريحًا عن مسؤول "إسرائيلي" فحواه أنّ "فخر الأمة" الذي سيقطع كل يدٍ تمتد للأرض العربية، هو الضيف الزائر لـ"إسرائيل"، كما أنّه في ذات وقت الزيارة، كانت القناة الثانية العبرية تنقل عن اهتمام نتن ياهو وسعيه الدؤوب من خلال اتصالاته بزعماء العالم، لتوفير الدعم للأكراد حتى العسكري منه، وآل سعود عمومًا غيّروا مفهوم الصدفة عالميًا، فلا يوجد صدفة حسب المفهوم الجديد دون سبق تخطيط، فكلما وأينما كانت مصالح "إسرائيل" وُجدت السعودية بمحض الصدفة، وحتى الصدفة تنطبق على ما قاله أحد مرتزقتها في الإعلام، حيث قال "إذا قامت حرب بين إيران و"إسرائيل" فأنا صهيوني، وسأكون صباب شاي للجيش الإسرائيلي"، فلا يستطيع بن سلمان أن يقول هذا الكلام شخصيًا على الملأ، لكن أتباعه يندفعون لقوله طمعًا بقصب السبق، لأنّهم يدركون ما يريد وما يخفي، ولأنهم يعرفون أنّ بن سلمان ليس أكثر من "صباب شاي" مثلهم، والفرق الوحيد أنّ الشاي الذي يتسابقون على تقديمه لـ"الجيش الإسرائيلي"، هو على نفقة بن سلمان الخاصة.

فإذا كان بن سلمان فخر الأمة هذا حاله فما حال السبهان، الذي هدد بالصمت، فقال في تغريدة "تحدثوا بكل طاقاتكم وحركوا جميع مشاريعكم فقريبًا الصمت سوف يطبق، والإرهاب وأهله إلى مصيرهم المحتوم، كما قُضي على داعش سيُقضى على أخواتها بإذن الله"، وأخواتها هنا حسب قانون المصادفات السعودي بالتصادف البحت مع المصالح "الإسرائيلية"، هو حزب الله بالدرجة الأولى، وقد يأتي الحشد الشعبي بالدرجة الثانية، وليس مستبعدًا أن يدخل الجيش السوري بذاته في هذا التصنيف طالما أنّه لا زال وسيظل يشكل خطرًا على "إسرائيل"، وكل هذا الانتفاخ السبهاني اعتمادًا على "قسد" في الرقة، وبعضٌ من بعض عشائرٍ في المنطقة الشرقية، يستظلون بالعلم الأمريكي والحلم الأمريكي والطيران الأمريكي والسوط الأمريكي أيضًا، أمريكا على مدى تاريخها تبرع في سَوق العبيد ثم سَوم العبيد سوء العذاب، ومن مظاهر العبودية مثلًا، حين كان السبهان في الرقة تحت السوط الأمريكي، كان وزير الخارجية الأمريكي يحمّل السعودية وزر استمرار الأزمة القطرية ويبرئ قطر، ولا يهتم السبهان لذلك أو يحتج، بل إنّه يسعى لاغتنام فرصة التقاط صورة نادرة قد لا تتكرر مع السيد الأمريكي بريت ماكغورك.

ولكن يبقى السؤال فعليًا ماذا يفعل السبهان في الرقة، قد يكون فعلًا يريد إرسال رسائل لأعداء الأمتين، ويريد معاقبة أردوغان وحبس إيران ونفي حزب الله وتحرير المريخ وردم الثقب الأسود، ربما، فهذه القوة العظمى تستطيع الإتيان بالمستحيل في زجاجة، ولهم سوابق تعبئة الهواء في زجاجات أذهلت المجامع الهوائية والزجاجية، ففي اليمن مثلًا تستطيع كتيبة كاملة من الجيش السعودي الركض بخفة غزال أمام مقاتلٍ يمني بسلاحٍ فردي، ولا يوجد كتيبة في أي جيش في العالم قادرة على ارتكاب هذه المعجزة، لذلك فعلى هذه الأطراف التي هددها السبهان أخذ كل أسباب الحيطة والحذر، فقد يأتيهم بكتائب تجري بخفة الأرانب، وأخيرًا كلمة في السياسة، إنّ كل مشروع إعادة إعمار لا يمر عبر دمشق وبتوقيع الحكومة السورية، هو وجه آخر لداعش والنصرة وأخواتهما، وهذا التشابه ليس بالنية والتخطيط فقط بل بالمصير أيضًا.