الموازنة في لبنان بين الاصلاحات المالية والتسوية السياسية

د.أيمن عمر - بيروت برس -                                             

 تطور مفهوم ومحتوى الموازنة العامة للدولة عبر الزمن، فلم تعد الموازنة مجرد تشريع لإضفاء الشرعية على النفقات والإيرادات في بنودها التقليدية والتوازن بينهما، التي كانت مرتبطة بالدور التقليدي للحكومة، بل أصبحت خطة سنوية تعكس الخطط أوالاستراتيجيات المتوسطة والبعيدة الأمد، والتي تستهدف تحقيق أهداف اقتصادية واجتماعية وتنموية في أبعادها الاقتصادية الكلية: تحقيق التنمية المستدامة وتوفير الأمن الاجتماعي، وتقليل البطالة، والاستقرار العام للأسعار والحد من التضخم، زيادة الدخل القومي، دعم الميزان التجاري وتحقيق الاستقرار في صرف العملة الوطنية. وهنا يتم طرح الإشكاليات التالية: ما هي الأهداف الاقتصادية والاجتماعية والتنموية التي تستهدفها الموازنة؟  ما هو تأثيرالإنفاق على  القطاعات المختلفة؟ ما هو دور الموازنة في تحقيق التوازن والعدالة الاجتماعية؟ ما هي السياسة الضريبية؟ ما هي نسبة مساهمة القطاعات الاقتصادية في تكوين الناتج المحلي الإجمالي؟ وما هو تأثير الموازنة على تلك النسبة؟ ما هو وضع الميزان التجاري ووضع ميزان المدفوعات؟ ما هو حجم الدين العام (المحلي والخارجي) وفوائده واستحقاقاته؟

بعد 11 عاماً تم إقرار الموازنة العامة في لبنان، مع مخالفة صريحة وواضحة للمادة 83 من الدستور اللبناني. ويبقى الأمر الأكثر خطورة في  موازنة العام 2017، هو إنجازها دون الاعتماد على الحسابات المالية التي يقع واجب تقديمها على الحكومة جمعاء، التي يعتبر إقرارها شرطًاً دستورياً وقانونياً ونظامياً لإقرار الموازنة، كما تقتضي أحكام المادة 87 من الدستور. وبحسب الأرقام التي أعلنها وزير المالية، يتبين أن النفقات المقدّرة هي 23 ألفاً و670 مليار ليرة لبنانية (ما يقارب 15.3 مليار دولار) للعام 2017،  في مقابل إيرادات تبلغ 16 ألفاً و384 مليار ليرة، ما يعني 10.4 مليارات دولار. وأوضح أن العجز، استناداً إلى هذه الأرقام، بلغ 7286 مليار ليرة في موزانة العام 2017، وهو ما يقارب 4.7 مليارات دولار، في مقابل عجز فعلي بلغ 7453 ملياراً عام 2016، وهو ما يقارب 4.8 مليارات دولار. ووفق تقرير لجنة المال والموازنة، تضمّنت فذلكة الموازنة والعرض الذي قدّمه وزير المالية في جلستيّ الاستماع، المؤشرات الآتية: نسبة العجز إلى إجمالي النفقات 30.79%،نسبة الواردات إلى الناتج المحلي 19.68%،نسبة النفقات الإجمالية إلى الناتج المحلي 28.44%،الناتج المحلي 83236 مليار ليرة، نسبة العجز إلى الناتج المحلي 8.76%. في ما يتعلق بتوزيع النفقات العامة، تستحوذ البنود الثلاثة: الرواتب والاجور (8737 مليار ليرة) وخدمة الدين العام (7100 مليار ليرة) وتحويلات مؤسسة كهرباء لبنان (2100 مليار ليرة)، على نسبة 72.6% من اجمالي الانفاق. فيما بلغت حصّة الإنفاق الاستثماري 2353 مليار ليرة. ومن أبواب الانفاق المثيرة للريبة،المبالغ المرصودة للإيجارات وصيانتها، فقد تبيّن أن هذا الإنفاق يصل إلى 114 مليار ليرة، بين إيجارات مكاتب ومدارس وعقارات. وأيضاً تدفع الدولة 445 مليار ليرة سنوياً على الأثاث والمفروشات والتجهيزات والتجهيزات والمعلوماتية.

 أما الايرادات العامة فتقدّر بـ16384 مليار ليرة وتشكل 20.49% من الناتج المحلي وموزّعة بنسبة 79.5 % للايرادات الضريبية و20.5 % للايرادات غير الضريبية. تتضمّن الموازنة إجراءات ضريبيّة موجعة للاقتصاد وللمواطن ومؤثرة على النمو والاستهلاك وتقدّر 2436 مليار ليرة.

مما سبق نلاحظ أن الموزانة العامة في لبنان ما زالت عبارة عن حسابات مالية وأرقام مجردة بعيدة كل البعد عن الدور الحديث للموازنة والضرائب والانفاق العام. إن دور النظام الضريبي يتمثل في دعم واسناد عملية التنمية الاقتصادية من خلال توجيه الموارد نحو قنوات الاستثمار التي تخدم عملية التنمية وزيادة الطاقات الانتاجية، وإعادة توزيع الدخل والثروات وتحقيق الاستقرار الاقتصادي. وإن السياسة الضريبية تصاغ أهدافها بانسجام مع أهداف السياسة الاقتصادية بشكل عام. ومن المعلوم أن الإنفاق العام ينقسم إلى إنفاق عام رأسمالي ( استثماري أو إنتاجي ) وإنفاق عام استهلاكي ( جاري ). ويؤدي الإنفاق العام الاستثماري إلى حدوث زيادة مباشرة في الدخل القومي الجاري من خلال المكافآت ( الأجور والمرتبات ) التي تتولد لعوامل الإنتاج المشاركة في حدوث هذا الدخل، بالإضافة إلى زيادة المقدرة الإنتاجية للدولة. كما أن الإنفاق العام الاستهلاكي يؤدي أيضا إلى زيادة المقدرة الإنتاجية ( وعلى سبيل المثال، يؤدي الإنفاق الاجتماعي على الخدمات التعليمية والصحية والثقافية، والتدريب الفني للعمال، إلى الارتقاء بمستوى العمالة، مما يؤدي إلى زيادة المقدرة الإنتاجية )، بالإضافة إلى إسهامها في زيادة الناتج القومي الجاري. ومن ناحية أخرى، يشكل الإنفاق العام جزءاً هاماً من مكوّنات الطلب الفعلي ( أو الطلب على السلع الاستهلاكية والاستثمارية )، وهو ما يؤثر تأثيراً مباشراً على حجم الإنتاج، وذلك بشرط أن يكون مستوى النشاط الاقتصادي أقل من مستوى التشغيل الكامل لعوامل الإنتاج ( الأرض والعمل ورأس المال )، وأن يتمتع الجهاز الإنتاجي بالمرونة اللازمة التي تسمح بانتقال عناصر الإنتاج فيما بين الأنشطة الاقتصادية المختلفة. 

لم تأت موازنة 2017 بأي جديد على المستوى المالي والاقتصادي وانعكاساتهما الاجتماعية والمعيشية، إلا أنها عكست التوافق السياسي – ولو على حساب الدستور – القائم عليه النظام اللبناني منذ إنشائه. ولكنّ الأهم في الموضوع هو انتظام المالية العامة بعد انقطاع دام لسنوات.   

   باحث في الشؤون السياسية والاقتصادية