الحرب القادمة... الخليج العربي ساحة الاقتتال

د. أيمن عمر - 

الولايات المتحدة الأمريكية تستغني عن الخليج العربي:
لعقود خلت كانت دول الخليج العربي بمنأى عن أي صراعات في المنطقة العربية حيث كان دورها الوظيفي يقتصر على تمويل أحد أطراف الصراع بالمال والسلاح وإعطائه الغطاء السياسي في المحافل الإقليمية والدولية، وإبقاء دولها مناطق استقرار وأمان خالية من النزاعات والحروب . وكانت سياسة الراعي الأميركي وخاصة في حقبة الآحادية القطبية هي إرساء قواعد وأسس الأمن القومي الخليجي لضمان استمرار تدفق النفط الحيوي لها، بالإضافة إلى صفقات الأسلحة والمقدّرة بمئات المليارات من الدولارات والتي تنعش الاقتصاد الأميركي وخاصة عند الأزمات الاقتصادية. وقد ذكرت صحيفة "الفايننشال تايمز" أن الولايات المتحدة اعتمدت عام 2012 على نفط الشرق الأوسط أكثر من أي وقت مضى، وأن الولايات المتحدة سوف تستمر في لعب دور أمني مهم في المنطقة. وقالت الصحيفة إنه لأول مرة منذ 2003  مثّلت واردات الولايات المتحدة من النفط السعودي 15% من مجمل وارداتها، أما نفط منطقة الخليج فقد مثّل 25 %، وكان أعلى مستوى في تسع سنوات . ولكن هذا الاعتماد الأميركي على النفط الخليجي يتجه نحو الانحسار بسبب جنوح جميع الاقتصادات الحديثة الى الاعتماد على مصادر الطاقة النظيفة وفي مقدمها الغاز الطبيعي. ففي دراسة اقتصادية التي أعدتها "بي.بي" ونشرها موقع" ياهو فايننس" أظهرت أن الولايات المتحدة ستتحرر تماماً من الاعتماد على نفط الشرق الأوسط ودول أجنبية أخرى بحلول عام 2030. وقالت شركة " بريتيش بتروليوم" إنه مع التوسع في الإنتاج المحلي من الغاز الطبيعي فإن الولايات المتحدة ستخفض استيرادها النفط الأجنبي إلى مستويات لم تشهدها منذ عام 1990 . وأضافت الدراسة أن التوسع في انتاج الغاز الطبيعي أصبح مطلوباً بشدة. لذلك قد تستغني الولايات المتحدة الامريكية عن نفط الخليج وبالتالي تخرج هذه المنطقة من حساباتها الاستراتيجية وخططها القومية . وقد كتبت مجلة "فوربس" الأميركية في عددها الصادر في شهر أيار 2017 أن طهران والرياض تقتربان بسرعة من حرب عسكرية مباشرة ما سيؤدي إلى اختلال في تصدير النفط وعودة أسعاره الى 100 دولار. وأضافت أنه يمكن للولايات المتحدة ان تزيد من كمية انتاج نفطها الصخري حتى تتمكن من أن تجبر النقص في كمية النفط المعروض للبيع، وأن ذلك سيكون لصالح الميزان التجاري الأميركي وللاستقرار السياسي في الولايات المتحدة. وقالت فوربس إن الشركات النفطية الكبرى في الولايات المتحدة ستكون أكبر رابح لسيناريو التصعيد بين طهران والرياض. وأضافت ان أي تصعيد بين إيران والسعودية من هذا النوع يعزز مكانة اميركا كمصدر مطمئن موثوق به في أسواق النفط العالمية أكثر من السابق، وأنه كلما زاد التصعيد في الخليج العربي وطالت فترته ستزداد حصة الشركات النفطية الأميركية في الأسواق . ولفتت المجلة الأميركية النظر الى أن هذا الموضوع يفسر عدم رغبة البيت الأبيض في منع حدوث صدام عسكري مباشر بين ايران والسعودية. وفي دراسة نشرتها مجلة " الشؤون الخارجية" في عددها الصادر في كانون الثاني /شباط 2017 بعنوان " التخلص من نفط الخليج والاستراتيجية العسكرية الأميركية "، تساءلت الدراسة عن البدائل غير العسكرية المتاحة لحماية نفط الخليج العربي والحدّ من الخسائر الاقتصادية الأميركية وقد تمثّلت الإجابة في ضرورة الاستثمار في بدائل، وأن الفشل في الاستثمار في بدائل أو عدم التفكير فيها سيكون فادحاً يستنزف ملايين الدولارات من ناحية ومئات الأرواح في معارك غير ضرورية من ناحية أخرى. من هذا المنطلق فإن الخليج العربي لم يعد في حسابات الاستراتيجية الأميركية التي تحوّلت حساباتها وأنظارها نحو العملاق الصيني المنافس الحقيقي للولايات المتحدة . من هنا افتعال أزمة بورما لنقل الأزمات وتوجيه المجموعات المتشددة نحو الحدود الصينية ضمن سياسة التطويق والاحتواء.

رسم خرائط دماء جديدة:
أصبح الحديث عن الفوضى الخلاّقة أو البنّاءة من بديهيات الوضع العام لمنطقة الشرق الأوسط. هذه النظرية التي صاغها في معناها السياسي الحالي "مايكل ليدين" العضو البارز في معهد "أميركا انتربرايز" وهو ما عبّر عنه في مشروع التغيير الكامل في الشرق الأوسط الذي أعدّ عام 2004. وقد ذهب ليدين إلى تسويغ مذهب القوة اللامتناهية حتى ولو أدّى الأمر بالولايات المتحدة الى أن تقوم كل عشر سنوات باختيار بلد صغير وتدمّره وذلك لغاية وحيدة فقط هي أن تظهر للجميع أنها جادّة في أقوالها. وأول من تبنّى سياسياً هذه النظرية وزيرة الخارجية الأميركية السابقة "كونداليزا رايس" حيث أعلنت في العام 2005 في صحيفة "الواشنطن بوست" أن الولايات المتحدة ستلجأ الى نشر الفوضى الخلاقة التي ترى أن وصول المجتمع إلى أقصى درجات الفوضى متمثلة بالعنف والرعب في الدم، يخلق إمكانية إعادة بنائه بهوية جديدة. وقد استخدمت هذا المصطلح في تل أبيب في تموز 2006 أثناء العدوان الإسرائيلي على لبنان حيث قامت هي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بالترويج لمصطلح الشرق الأوسط الجديد بدلاً من مصطلح الشرق الأوسط الكبير.
اذاً فالهدف من هذه الفوضى هو بناء هوية جديدة قائمة على محو الصراع العربي الإسرائيلي من الذاكرة العربية والإسلامية والتسليم بكيانية الصهاينة ووجودهم في المنطقة كأحد الأركان التاريخية الأساسية. وما الاقتتال العربي الداخلي الا الأداة الفعالة لتحقيق الشرق الوسط الجديد.

الخليج العربي: الوجهة القادمة
يظهر للعيان وبدون أدنى شك أن الفوضى الهدّامة وليست البنّاءة آتت أكلها في منطقة الشرق الأوسط مع تدمير كلي لركيزتين أساسيتين من دول المنطقة وهما سوريا والعراق وخسارة بمئات المليارات من الدولارات وزهق لعشرات الآف الأرواح. لذلك البحث عن ساحة صراع مؤهلة وتحمل مقومات الاقتتال والتنازع والتدمير الذاتي وتأتي منطقة الخليج العربي في الطليعة وعلى رأسها المملكة العربية السعودية. فالمتتبع لخطابات وسلوكيات المسؤولين الإيرانيين والسعوديين يستشف إقبال منطقة الخليج العربي عموما والسعودية خصوصاً على حرب داخل أراضيها. ففي تصريح لولي العهد السعودي الأمير "محمد بن سلمان" في 2 أيار 2017 خلال مقابلة مع قناة "الإخبارية" أعلن أنه "لن ننتظر حتى تصبح المعركة في السعودية بل سنعمل لكي تكون المعركة لديهم في إيران". وردّ وزير الدفاع الإيراني "حسين دهقان" في 8 أيار 2017 في تصريح لوكالة "تسنيم" للأنباء أن "طهران لن تترك جزءاً من السعودية على حاله باستثناء الأماكن المقدسة" وذلك في "حال ارتكبت الرياض أي حماقة بنقل المعركة" .

إن بوابة النزاع المرتقبة من قبل طرفي النزاع: السعودية والامارات ومن ورائهم الولايات المتحدة من جهة وإيران وتركيا وقطر من جهة أخرى هي الأزمة الكردية. المحور الأول يسعى الى تطويق إيران لجهة حدودها الغربية وإنشاء كيان إسرائيلي بديل، والمحور الثاني المنتصر في ساحة الصراع الأولى وبما يملك من فائض قوة لا بد من توظيفه في ساحات صراع مختلفة من هنا إمكانية انتقال الاقتتال الى داخل الخليج العربي. 
وقد صرح بذلك أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله في كلمته التي القاها بمناسبة عاشوراء بالقول إن تقسيم العراق سيؤدي الى تقسيم السعودية.