إنفصاليون في خدمة مشروع السيطرة على العالم

ميشيل كلاغاصي - بيروت برس - 

عشرات ومئات الأقاليم التي تسعى لإنفصالها عن دول عاشت بكنفها وتحت رايتها لسنوات وسنوات، يختلف التوقيت، وقد يتزامن، تختلف حدة المواقف، وقد يرافقها سيل الدماء، تتعدد الأسباب، ويبقى جوهرها واحد، تفرقة وضعف، حصارٌ للأعداء وإنهاكهم، هزيمة للجغرافيا ونصر لأسلاك الحدود، ومن تقاسم الثروات إلى تجميعها، تخمة للبعض وجوع للبعض الآخر، خلافات وصراعات إضافية تزيد درجة تعقيد حياة البشر، تحت راية أو أخرى، يتضاعف حجم الألم، بشرٌ يدفعون حياتهم ثمنًا لتحقيق أحلام وغايات المخططين وأصحاب الأيادي الخفية، كوكب تتبعثر أحشاؤه قبل إنفجاره أو بعده لا فرق، ولم يعد هناك مكان آمن لاستقرار البشر وبناء البيوت وزراعة الأحلام والورود، من يسعى إلى تفتيت العالم، يجيب البعض ويتهم "المؤامرة"، وبعض ساذج يعتقد أنه يفعل حسنًا لشعوب ويخدم عرقًا أو قوميةً أو دينًا أو مذهبًا، أوسياسةً أو مصلحةً ومالًا!.

فمن تفكك الإتحاد السوفيتي، إلى كاليفورنيا الولايات المتحدة، إلى كيبك كندا، واسكتلندا المملكة المتحدة، ومن لومبارديا وبندقية إيطاليا، إلى كاتلونيا وباسك إسبانيا، ومن كورسيكا إلى باريس، ومن بافاريا إلى برلين، ومن هونغ كونغ إلى الصين، ومن كردستان إلى روج أوفا في العراق وسورية، ومن جنوب اليمن إلى جنوب السودان، ومن البنغال إلى أراكان الروهينجا، وعشرات الأمثلة للدول والأقاليم التي إنفصلت، وتلك الجاهزة للإنفصال، وعشرات التي تطبخ وتُحضّر عناصر وأدوات إنفصالها.

قد يبدو تحليل هذه "الظاهرة" للوهلة الأولى أشبه بالمستحيل، مع تعدد الأسباب والدوافع والأهداف والغايات، ولكن يبقى الفعل هدامًا مدمرًا ومؤذيًا، ويحمل من الألم أكثر ما يحمله من الأمل، خصوصًا بعد مراقبة أعداد المنكوبين والمتضررين والمفقودين والجرحى والمهجرين والنازحين، وتتويجًا بعدد الضحايا والقتلى. 
ويطرح السؤال نفسه، من يبحث عن إيلام البشر وأذيتهم؟ من يحقد على البشر إلى هذه الدرجة؟ ومن يبحث عن إضعافهم للتفرد بهم؟ ومن هو المستفيد من ضياعهم وتشرذمهم؟ ومن هو الجامع الأخير لثرواتهم المهدورة، من يُمول الإنفصال ويُسلح "حراسه" ومن يُؤمن مواد حروبه؟ وهل تستخدم الطرق السلمية فقط؟ أو للعنف والإرهاب دورٌ وخدمة؟ وهل يملك الإنفصاليون أسبابًا وأسسًا واضحة وكافية ومحقة، وتحمل من الفائدة ما يوازي الأثمان التي تُدفع لأجلها؟ أم للبشر حياتهم، وللساسة غاياتهم؟ وهل تسعى الشعوب للعيش قطعانًا متجانسة، بحسب العرق أو الدين أو المذهب، أو بحسب المستوى الطبقي أو الإقتصادي - المعيشي، وهل يرغب الأغنياء بمسح أحذية الأغنياء، ويستعدون للعمل في المناجم ورعاية الأبقار، إلخ.. 

ويتساءل البعض من استعمر الدول، وسطا على خيراتها، واستعبد سكانها، ونقلهم عبيدًا إلى بلاده، ومن قسم القارات الشاسعة، ومن وضع الحدود الحالية، وهل يرسم واضعو الخرائط أقدار الشعوب، ويقررون عنهم خوض المعارك الدامية للدفاع عن خطوط مؤامراتهم ومصالحهم؟
من يملك مشاريع على مستوى الكرة الأرضية؟ ومن جاهر بأحلامه ومشاريعه للسيطرة على العالم؟ ومن يقاتل لأجل إخضاع العالم والسيطرة على ثرواته وعقوله، من يعتقد أنه يملك مزايا لا يملكها غيره، من يتحدى الإله في خلقه وبتقسيم موطئ قدمه وبتبديد ثروات الأرض التي كُلف الإنسان ببنائها وإعمارها... من يسعى لإقامة الحروب العالمية وتغيير خارطة الكون؟
ومن يتذرع للإنفصال بداعي الغنى والفقر واللغة، ومن يتمرد ويعتدي على حقوق الغير ويسعى للإنفصال عن عقله وزمانه ويسعى للعيش في دولة أو كيان على أساس ديني، ويرجع بالمكان إلى غير زمن؟ وكيف يتم إقناع الشعوب لتتمترس وراء مدافع أو سكاكين أو حتى حروب باردة؟ ومن لا زال يرفض كل تنوع وإختلاف ويستخدم العنف والقتل والإرهاب وسيلة "لإقناعه"؟.

عشرات الأسئلة، تقفز إلى رؤوسنا، لا يمكن لأصحاب الدعوات الإنفصالية إقناع الآخرين بضرورة الإنفصال واعتبارها أسبابًا وحيدة وكافية لخوض الصراع ودفع أثمانه.
قد لا يحتاج الأمر لعناء كبير ليجد المرء الأجوبة الشافية، فدائمًا هي الحركة الصهيونية بغاياتها وبأساليبها المتعددة وأدواتها المختلفة، التي جاهرت بأهدافها وبذلت جهودها للسيطرة على كافة وسائل الإعلام ومراكز القرار العالمي، واتخذت من الولايات المتحدة الأمريكية قاعدةً ومرتكزًا للإنطلاق نحو إشاعة الفوضى وإثارة المشاكل والفوضى وتحضير أرضيات الحروب، وليست دعوات الإنفصال سوى إحدى تلك الأدوات التي استعملت فيها جيوش وحكومات بعض الدول لشن الحروب المختلفة، وأنشأت العصابات والمافيات والحركات والأحزاب والجيوش، تحت عناوين الإنفصال.

ولم تتوان عن تجنيد وحشد كافة وحوش الأرض عبر إيديولوجيات تكفيرية ظلامية، كانت كافية لشن الحروب الحديثة إنطلاقًا من رحم الإرهاب والذي أطلقت عليه اسم "القاعدة"، والذي تفرعت عنه عشرات ومئات التنظيمات الإرهابية منها ما استعملته في ضرب روسيا، ومنها في ضرب الشرق الأوسط وخصوصًا في سورية والعراق، ومنها لضرب الفيلبين وأفريقيا، فكانت تنظيمات داعش والنصرة والجيش الحر وأبو سياف وبوكو حرام ومجاهدي أراكان وغيرها.
واستعملت قدراتها وإمكاناتها لإقناع الدول والشعوب بعدالة قضايا الإنفصال، وزيفت الوقائع والصور والفيديوهات وبعثرت الحقائق حتى بات البعض يخدم مشاريعها معتقدًا أنه يخدم العدل والحق...!

فعلى سبيل المثال، يقول مسعود البرزاني أنه سيخوض معركة الإستفتاء والإستقلال بالحروب والدماء؟ وكذلك تفعلها السعودية، إذ قامت بإنشاء فصيل إرهابي ودعمته وسلحته وأوت قادته (حركة يقين، وجيش إنقاذ أراكان)، ومع ذلك تصف الروهنجيين في صحيفة عكاظ بـ"المتمردين"، ولا تنبس ببنت شفة تجاه الشعب المسكين الذي يُذبح بمالها وسلاحها، فأنابيب النفط والغاز الخليجي العابرة إلى بورما فالصين ترجح كفة المصالح التجارية في مقابل دماء المسلمين، فلطالما راهنت السعودية على دعم الحكومة البورمية لحماية خط أنابيب النفط الخليجي، في سعي جدي لإيصاله إلى الصين.

إن دعم الكيان الصهيوني لنظام ميانمار العسكري من جهة، ودعم الإرهابيين الروهنجيين عبر السعودية من جهة أخرى، يمنح قادة العدو الصهيوني إمكانية السيطرة على طرفي النزاع مستفيدًا من عمالة وتبعية العرش السعودي، على حساب دماء مساكين وفقراء الإقليم، وبات من الواضح أن الصين وبحرها الجنوبي هي المسرح الجديد للحروب بثوبها الديني، بعد إتمام تجهيز الصورة، عبر صبغ الصراع العرقي - السياسي وتحويله إلى صراع ديني في منطقة تعج بالإثنيات العرقية والقومية والدينية، ويتوسط فضاءات دول قوية تمتلك السلاح النووي تبدأ من باكستان والهند، ولا تنتهي عند تركستان وسور الصين العظيم فقط، فطريق الحرير الجديد سيحمل الموت نفطًا في أنابيب دماء الدول والشعوب، ليضعه تحت رحمة الأساطيل الأمريكية، لتلفه حبلا على رقبة المارد الصيني، الذي يخشى ويتوجس إنفجارًا إنفصاليًا– إرهابيًا، في منطقتي "شينجيانج" تركستان الشرقية‏'‏ "والتيبت" على حدوده الشرقية.

هكذا تُستخدم الشعوب والأقليات من حيث تدري أو لا تدري، ولأجل أكبر المصالح، وهكذا تُستباح الحدود، وتُنسج الحكايا وتُخلق المسببات، وتصبغ الشرور بالوان ورغبات ودعوات الإنفصال العرقي أو القومي أو الديني، ومن فوضى المكان إلى فوضى الزمان، تُسرق الثروات وتسيل دماء الأبرياء في عالم متوحش تقوده أدوات العصيان الإلهي والسيطرة على العالم في خدمة الشر والشرير.