إقصاء الوعي الوطني وجعل الخيانة قيمة نضالية باسم العقلانية

صبيح صبيح - بيروت برس

كيف لقائد حركة ما زال يحمل اسمها شعار التحرر الوطني أن يخاطب الدول الإسلامية مبرراً تعاونه مع الاحتلال من أجل الصالح العام والقيم الإنسانية؟ كيف لأعلى قائد فلسطيني أن يساوي من سرق الأرض بصاحبها؟ كيف يشعر صائب عريقات بالحرج قبل عدة سنوات من خطاب القيادة الإيرانية التي طالبت بفلسطين من النهر للبحر ليعلن من إيران التزامه بـ"الشرعية" الدولية والقانون الدولي؟ كيف يساوي الهباش بين الضحية والجلاد؟ كيف لا يخجل الضميري عند الحديث عن الأمن بينما يستبيح الاحتلال المقاطعة متى شاء؟ لفهم الممارسات الخطابية السابقة وسلوك قيادة السلطة الفلسطينية، علينا أن نقرأ حقل القيم أو المنظومة القيمة التي تضبط سلوك هؤلاء وتعطي لفعلهم معناه. أي علينا فهم المنطق الذي يبرر هؤلاء فيه سلوكهم الاجتماعي والسياسي.

بدايةً، تتغير المنظومة القيمية حسب السياق والمجتمع ولكنها تتماشى مع قناعة الفئات المهيمنة. نستطيع الاستدلال على القيم المهيمنة من خلال الخطاب المهيمن في المجتمع أو من خلال الخطاب السائد الذي يعمل على إعلاء شأن قيمة دون غيرها. فعلى سبيل المثال، اذا ساد المنطق الاقتصادي في لحظة ما في الخطاب السائد، تصبح القيم الاقتصادية من الربح والخسارة هي السائدة على غيرها من القيم مثل الدينية، النضالية، الوطنية الخ. هيمنة قيمة معينة لا تعني اختفاء القيم الأخرى بقدر ما هو تظليلها أو طمسها أو إنكار حق من يؤمن بها في التراتبية والتسلسل الاجتماعي والسياسي. أما القيم نفسها فهي التي تعطي للمهيمن السند المعياري لتبرير سلوكه وتغليفه بالمعنى بل وتقديمه على أنه السلوك والتصرف الأفضل.

إذاً، لا يمكن فهم القيم على أنها مصالح اقتصادية بحتة، بل هي تشكيلات معقدة تعتمد على السياق التاريخي وبنية النظام القائم (المجتمع) واستراتيجية الطبقة المهيمنة وطريقة إدارتها للصراع مع الطبقات المناهضة. لفهم التغير في منظومة القيم في النظام القائم الفلسطيني، نستطيع القول إنّ قيمة الفداء والتضحية ارتبطت بمشروع تحرري نضالي في السبعينات، قبل أن تغزوه العقلانية وروح الاقتصاد في الثمانينات تحت بند الصمود الذي عاني هو لاحقاً من عملية عقلنة ثانية بعد أوسلو، عندما تحول لمشروع تنمية وبناء دولة ليبرالية. أي من مشروع الفداء والتحرر ومحاربة الإمبريالية إلى مشروع التنمية والدولة النيوليبرالية. سادت بعدها الرؤية الاقتصادية في قراءة الواقع الفلسطيني وظهر ما أسماه البعض بـ "الفلسطيني الجديد". فبعد أن كانت سنوات العمر التي يقضيها الفلسطيني في الأسر نيشاناً على كتفه وقيمة تحفظ له مكاناً في النظام القائم، أصبحت "عمراً ضائعاً" وعبئاً عليه كونها صارت قيمة تمنعه من التراتبية في النظام الاجتماعي.

مشروع التنمية النيوليبرالية بعد أوسلو عمل على تكثيف الحالة الاستعمارية، بحيث أصبح تصوير الخطاب السائد يعمل على صقل الحقائق الوهمية في الاستقلال وحتى في الدولة، بينما ازدادت ضراوة الاستعمار مع خلق طبقة من المنتفعين من الباطن ارتبطت عضوياً بالاحتلال. فكما يقول انجلز وماركس، تشكلت "حالة تآخي اللصوص" أو كما يصورها زولا بـ"أخوة الحالة" التي ربطت بين رواد هذا المشروع مع المنظومة العالمية الرأسمالية عبر تدفق المال السياسي، والذي يهدف إلى تعزيز مفهوم "فلسطين الدول المانحة". هي حقبة الرأسمالية المتطورة التي خلقت فيها وكلاءها المحليين الذين قاموا بطمس معالم الهيمنة الإمبريالية من جهة، والاستعمار من جهة أخرى بقبولهم هذا التعاقد الذي يقوم بتصوير العلاقة على أنها شراكة أو توافق. فكما يقول جرامشي، من أجل تحول الهيمنة بالقوة أو المفروضة (domination) إلى هيمنة ناعمة مقبولة (hegemony) يكفي تعاقد مجموعة من مهنيي السياسية مع الطرف المهيمن، مما يخلق مساحة تفاهم تخفي علاقات القوى والاستعمار وتسمح للمهيمن بممارسة نفوذه.

عادةً ما يتم تأسيس هذه المساحة التفاهمية فيما يعرف بـ "المجتمع المدني"، أما في الحالة الفلسطينية فيمكن إضافة مجموعة من كوادر التنظيمات والأكاديميين بجانب السلطة الفلسطينية كمنظمة غير حكومية لها جهاز أمني. هذه التعاقدات والتفاهمات اعتمدت في أساسها على منظومة تبريرية عالمية تستقي معاييرها وقيمها من الخطاب الاقتصادي المهيمن بالمعنى الاقتصادي بطبعته النيوليبرالية ، أقصد النسخة الاستهلاكية للاقتصاد وليست الانتاجية أو الاقتصاد السياسي.

فمشروع الدولة النيوليبرالية التي يقوم عليها أوسلو يعمل على تجسيد وصقل الحقائق المحلية بصيغ معولمة، كأن يتم تقديم المجتمع على أنه مكون من ثلاثة قطاعات منفصلة، العام والخاص وما يسمى المجتمع المدني، بطريقة ساذجة تقدّم القطاع العام على أنه للصالح العام، والخاص على أنه مبني فقط على المصالح الخاصة، بينما يكون المجتمع المدني الوسيط بينهما والحافظ لتوزيع المهام هذه. قراءة ساذجة تنفي حتى فكرة أنّ المجتمع المدني لم يكن إلا أداة للحوكمة والسيطرة الاقتصادية (وفق فوكو) بحيث تصبح مركزانية القراءة اقتصادية فردانية. هي المرحلة المتقدمة من الرأسمالية التي قامت على إعادة تصوير معنى الانتماء، بل وشكلت القيم التي من شأنها تفضيل نضال على آخر وفرز الانتماء "الجيد" من "السيء". بمعنى أنها تنتشر عبر استعمار الحقيقة الوطنية والمحلية، ونزع منها كل دلالة على الهيمنة أو الاستعمار.

تتعاظم في هذه الرؤية لغة الأرقام والإحصاء المجردة، بحيث يتم عزلها عن أي صراع داخلي بين طبقات المجتمع الواحد أو عن أية رؤية تظهر هيمنة الدول. هي القراءة التي تتساوى فيها الدول وتختفي فيها القراءة الطبقية والتي لها علاقة بالإمبريالية. فتظهر المشاكل المحلية على أنها تقنية ناتجة عن فساد هنا أو سوء إدارة هناك، ويتم التعبير عنها بأرقام الفقر دون الحديث عن العمليات الممنهجة للإفقار والنهب والسرقة والاحتلال الخ. فالدولة الحداثية النيوليبرالية هي تلك التي تبتعد عن التدخل في السوق من جهة لتضمن استقلاله، بينما تنقل الملفات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الخاصة بالفئات المهمشة لجهاز الأمن.

هي دولة الحرية الاقتصادية لرأس المال المهيمن والمتصالح أو المرتبط مع السلطة، وممارسة الاستبداد على الجماعات المناقضة لرأس المال وتلك المهمشة أو على المجموعات السياسية الرافضة للقراءة المهيمنة ومشروع الدولة النيوليبرالية. نستطيع من هنا فهم ضعف ميزانية الزراعة والصحة والشؤون الاجتماعية والتعليم بينما يقوم "جهاز الدولة" في فلسطين الدول المانحة على تخصيص مبالغ طائلة للأمن. فضمان تدفق المال السياسي مرتبط بوظيفة جهاز الأمن الذي يضرب بيد من حديد كل تجمع سياسي وطني أو حتى كل تجمع اقتصادي يعمل على ضرب النظام القائم بعد اوسلو. القراءة النيوليبرالية للحقائق والترويج لمشاريع التنمية والدولة "الحداثية" هذه هي نتائج تراكم معرفي ظهر تحت اسم ويلات الايدلوجية الشمولية، وتحديداً تلك الأدبيات التي حاربت الماركسية، والتي أعلن فيها العديد من المفكرين الفردانيين والعقلانيين نهاية عصر الأيدولوجيات وظهور ما أسموه الأيدولوجيات الصغيرة العلمية المرتبطة بمفاهيم المطالب القطاعية المتشرذمة.

من هنا تمّ الحكم على أي انتماء أو أي نضال خارج هذه الأيدولوجيات الصغيرة كجزء من حقبة مضت. مثل هذه التصويرات تجلت في أطروحة فوكوياما التي أصدرها بعد تفاهمات واشنطن، والتي بالرغم من تبرؤ كاتبها منها إلا أنها ما زالت تعكس ذهنية المؤسسات الدولية وطريقة تعامل دول ما يسمى الشمال مع دول الجنوب (تماماً على غرار اليد الخفية لادم سميث التي استخدمها لأسباب دينية مرة واحدة في كتاباته حتى أصبحت المفهوم الأهم لدى الاقتصاد المهيمن).

في كتابه نهاية التاريخ، ينظّر فوكوياما لعملية بحث الإنسان عن قيمته والاعتراف به على أساس فردي عقلاني، ويصف من يحاول إيجاد قيمته من خلال الجماعة أو الوطن باللاعقلاني والواهم، ويقترح أن يكون هنالك إنسان عالمي حر وفق مفهوم الديمقراطية الأمريكي. مثل هذا الفهم للإنسان ليس إلا تجسيد لحقبة من العقلانية الاقتصادية التي طغت على العالم في عصر العولمة والتي ازدهرت بشكل خاص بعد انهيار الاتحاد السوفياتي تحت شعار نهاية الأيديولوجيات الشمولية وبروز العلمية. طريقة سطحية لإقصاء الايدلوجية الماركسية ورفض صيغتها الانعتاقية الشمولية، وإحلال مكانها المنظومة الفردانية والعقلانية الاقتصادية المجزأة على أساس احتكارها للعلم. مثل هذا الهراء الذي يفارق بين الايدلوجية والعلم منتشر بشكل كبير لدى من يسمون أنفسهم محللين، مع رفضنا القاطع لربط الايدلوجية بالوهم والعلم بالحقيقة (تعمل العديد من الدراسات العلمية على إعادة إنتاج الخطاب السائد وشرعنته علمياً، دون حتى أية مسائلة للبديهيات التي تقوم عليها والتي تظهر كأنها مسلمات صالحة لكل وقت).

عمل بروز خطاب الأنسنة من جديد، بعدما سحقته الحرب العالمية الثانية بمدافعها وتقدم الرأسمالية بعد انهيار المعسكر الاشتراكي، على سحق الخطابات الوطنية أو القومية المؤدلجة والشمولية. فظهر الخطاب الذي يزدري السياسة بالمعنى الوطني والذي يعلي من شأن التكنوقراط والمهنية على أساس أنها تعتمد العلم وتبتعد عن الايدلوجيا الوهمية. هي عملية إعادة صقل السياسة في الوقت الذي يتم الحديث فيه عن الانفصال عنها، وإقصاء النضال الانعتاقي التحرري في الوقت الذي يتم فيه تقديم صيغ نضال عقلانية مرتبطة بالقانون الدولي، والمفهوم الاقتصادي واللاعنف من أجل محاربة الفقر أو إنشاء دول ليبرالية حداثية.

تعتمد المؤسسات الدولية هذه القراءة لتبرير تدخل الدول المانحة في دول الجنوب، سواء بررت هيمنتها وارتباطها بوكلاء من الباطن باسم الحوكمة أو التنمية أو الدمقرطة أو دعم المجتمع المدني أو حقوق المرأة. وفق هذه النظرة فالإنسان هو اقتصادي عقلاني، كوم من اللحم يسير على الأرض يأكل ويشرب ويطمح إلى حياة اقتصادية جيدة تمكنه من الاستهلاك. الاستهلاك هنا قيمة ترتبط بالكرامة والحركة الاجتماعية، فالصعود إلى أعلى الهرم الاجتماعي مرتبط بحجم الاستهلاك، فقيمة من يمتلك سيارة فاخرة أكبر من ذلك الذي يسير على الأقدام. الإنسان هنا لا نضال وطني له، واذا ما قرر النضال عليه ممارسته وفق أدوات النضال العقلانية المتاحة باستخدام القانون الدولي وفق ما هو معقول ومقبول، أو عبر المنظمات غير الحكومية التي تعمل على جعل التطبيع جزءاً أصيلاً من النضال من أجل التعايش وإحلال نسخة الإنسان العالمي والمعولم، فيظهر الفلسطيني التكنوقراط أو الرياضي (الفتاة بلباس الرياضة) أو الفنان، ويختفي من المشهد الملثم الذي مثّل صورة الفلسطيني في الوعي العالمي يوماً ما.

بهذا الفهم يصبح التنظير لموضوع الحرية الجمعية من الاستعمار مجرد وهمٍ يجب محاربته تحت بند لاعقلانيته، وتحت حجة ارتباطه بأيدولوجيات شمولية عفى عليها الزمن، عبثية تقود إلى مزيد من العنف وعدم الاستقرار. علينا من هنا فهم حقبة ما بعد أوسلو وتحديداً فترة محمود عباس (مؤمن باللاعنف منذ نعومة أظافره) وسلام فياض (رجل المؤسسات الدولية)، كتجسيد لهذه الرؤية العقلانية للإنسان الفلسطيني، لأرضه، لقضيته وتاريخه. هي حقبة من المفاهيم التي عملت على إحلال منظومة قيمة اقتصادية عقلانية تقوم على فكر الربح والخسارة وتقصي كل ما هو وطني أيدلوجي. أكثر من ذلك، في الوقت الذي قامت به هذه المنظومة على إحلال القراءة التنموية للحقيقة الفلسطينية، أقصت القراءة التاريخية والدينية.

تكاد أدبيات الخطاب المهيمن تنفي وجود النكبة، كحدثٍ تاريخي له انعكاس على الحاضر، فتارةً تحاول إعادة كتابة التاريخ لتظهر الجوانب "الإيجابية" للنكبة وتارةً تنكر حق العودة كتنصل للحاضر من ماضيه. فتغير المقدس أي ما هو غير خاضع للنقاش من حق العودة وبيارات يافا إلى التنسيق الأمني وأصبحت الأرض المحتلة أرضاً ما بعد الصراع، العدو جاراً، الأرض قيمة اقتصادية يمكن مبادلتها، الفلسطيني مستهلكاً، الأمن أداة لقمع من يخرج عن هذه المنظومة، جهاز السلطة أداة للسيطرة وصقل هذا المفهوم على السكان، أداة لتمكين السوق وانتشار الرأسمالية وتشجيع الاستهلاك، وأخيراً الخيانة ليس فقط وجهة نظر وإنما أداة للنضال والصالح العام وبناء الدولة.

هذه النظرة التي تنزع عن الحقيقة الفلسطينية تاريخيتها بل وحتى وجودها، تجعل من السهل جداً مساواة الفلسطيني "بالجار"، تنفي الزمن الماضي مبشّرة بزمن عقلاني قادم في حال احترمنا الوصفة الحداثية التي تقوم على قدرة الإنسان على السيطرة على مستقبله في حال خضع لعقلانيته. تجريد الإنسان من بنيته الاجتماعية، من قيمه التي يشكلها عبر الزمن والتاريخ والصراع وعبر الدين والعادات تقوم على عقيدة المستقبل الأفضل (أدبيات كثيرة عالجت مسألة السيطرة العقلانية على الزمن). هي أوهام المستقبل الدائمة، هي المشاريع الدائمة والتي تنتهي كما تبدأ جاعلةً من وهم الحداثة أعلى الوصفات العقلانية. فعلى الرغم من علقم اوسلو لأكثر من عشرين عاماً، ما زال التنظير قائماً لهذه الهزيمة حتى وصل الحال ببعضهم اعتباره من أفضل الإنجازات التاريخية للشعب الفلسطيني.

أنكرت هذه الرؤية المعنى الوجودي للإنسان الفلسطيني وانتمائه للجماعة، فرغم عملية قعر الوعي وكيه وتركيعه وأدوات السيطرة التي تستخدمها طبقة وكيلة للاستعمار والإمبريالية، إلا أن أصغر طفل شعر بالاشمئزاز من خطاب محمود عباس. نستطيع القول الآن إنّ عملية الخطف الأخيرة (حتى ولو أنها لم تحدث) قد نجحت بالفعل على كل المستويات. فاجتياح بيرزيت والخليل وقصف غزة وقمع الفلسطيني في الناصر وفرح لاجئي لبنان أعاد الأمور لنصابها الصحيح وأزال الغشاوة عن عيون الفلسطيني.

هذا الانعطاف أعاد للفعل معناه، وعرّى خطاب المنظومة العقلانية وأدواتها، وحّد الشعب الفلسطيني كحالة جماعية من محاولات الشرذمة التي أسس لها خطاب التنمية والدونية للطبقة الحاكمة في مسعاها لبناء الدولة المسخ. هذه القيادة التي أنكرت وجود شعبها إلا كأفراد مستهلكين، ولم ترَ في وجودها هي إلا بما يمنّ عليها به الاحتلال والمجتمع الدولي، سترحل عندما يحاول الشعب الفلسطيني استرداد إنسانيته التي حاولوا تجريده منها باسم الإنسانية، ووجوده الذي طمسوه باسم الفردانية، وكرامته التي استباحوها باسم العقلانية، وتاريخيته التي حذفوها باسم العالمية. "هي أشياء لا ترى"، فجسد الشهيد الذي لا يتحلل حقيقة قيمية لها علاقة بصورة الشهيد في المنظومة النضالية ولم تكن يوماً حقيقة عقلانية بيولوجية.