كطائر الفينيق يولد من تحت الرماد

الإثنين 07 آب , 2017 23:56

نسرين نجم

نسرين نجم - بيروت برس - 

يواجه الفرد في حياته صعوبات وعوائق جمة منها ما هو متوقع ومنها ما هو غير متوقع، ونتيجة لهذه المشاكل يُصاب الكثير بصدمات أو يرفعون راية الاستسلام ويسلمون رقابهم لسيف الأمراض النفسية من اكتئاب إلى قلق وغيرها، وقد يصل الأمر بالبعض إلى الانتحار. وقد يختار آخرون سلوكيات منحرفة كالسرقة والقتل والاعتداء، أي يخضعون لنزواتهم وغرائزهم بطريقة خانعة.. ومنهم من يقاوم كل هذه التحديات ليكون كطائر الفينيق الذي يولد من تحت الرماد.

وطائر الفينيق هو الأسطورة الخالدة التي تستمد منها البشرية دروسًا في التحدي والحصول على القوة، تتحدث هذه الأسطورة الرومانية بأن طائر الفينيق هو طائر خالد "تتكون حياته من 500 دورة متعاقبة، بنهاية كل واحدة منها يبني الفينيق عشًا على رؤوس أشجار النخيل من نباتات المر والقرفة والتوابل الأخرى، ويشتعل العش بفعل أشعة الشمس ويحترق الفينيق في النار، ومن رماده يخرج آخر صغير يعيش 500 عام لاحقة". 

إذن هذه الأسطورة تعتبر مدرسة للإنسان بأنه رغم كل الصعاب نولد من رحم الآلام لنصنع شخصية متينة تنفض عنها غبار الوجع، ولتعرف كيف تختار طريقها ومن سيكون معها في مشوار الحياة، تتعلم من أخطائها فالإنسان ليس معصومًا بل من الضروري في بعض الأحيان أن نخطئ لنتعلم، فلم نولد ونحن نعلم كل شيء. والأهم من هذا أنه بإمكاننا أن نحصل على المقاومة النفسية وهو أمر سهل، لكن إن امتلكنا الإرادة والتصميم والإصرار لعدم الانكسار والاستسلام. 
ويبدأ المدماك الأول في المقاومة النفسية بالبناء منذ التنشئة الأولى، وذلك عندما يزرع الأهل في شخصية أطفالهم العزيمة والتحدي لمواجهة أي مشكلة وكيفية إيجاد حلول لها، والأهم عدم استخدام أساليب الافراط بالدلال أو القسوة، وإشباعهم بفيتامين الحب نوعًا قبل الكم، وتأمين شبكة الأمن والأمان من ناحية الاستقرار المعنوي، إضافة إلى ضرورة أن يقدم الأهل أنفسهم كقدوة ومثال أعلى يُحتذى بها عندها يبنون شخصية متوازنة متماسكة متينة لا تنكسر بسهولة.
بعد هذا الزرع يكبر الأبناء ممتلكين القدرة على التصالح مع الذات والمصارحة مع النفس، يستطيعون تنظيم أمورهم، يستمدون قوتهم من دواخلهم وهذه هي النقطة الأساس في المقاومة النفسية، لأنهم عندما يعرفون نقاط قوتهم يبدأون باستثمارها في الأمكنة الصحيحة، ويعالجون نقاط ضعفهم... عندها نحصنهم من غدرات الزمان لتأتي ضربات الحياة أخف مما كانوا يتوقعونه... ومن الضروري أن يكون هناك دراية بُحسن اختيار الرفاق، لأنه عندما نحيط أنفسنا بأشخاص يمتلكون الطاقة الايجابية سنربح نظرة تفاؤلية لما يحصل معنا وكما يقول المثل بالعامية "الضربة اللي ما بتقتلك بتقويك".

فلنكن كطائر الفينيق، ولنكن على يقين بأن الله عز وجلّ هو اللطيف بعباده لا يريد لهم إلّا الخير، ولكن سوء اختيار الانسان لخياراته بالحياة هو من يوقعه باطرابات ومشاكل، ونذكر مقطعًا من دعاء أبو حمزة الثمالي للتأكيد على ما نقوله "اللهم خيرك إلينا نازل وشرنا إليك صاعد.. وكم من ملك كريم صعد إليك بعملنا القبيح وأنت مع غناك عنا تتحبب إلينا بالنعم".. ولنقتنع بأن الحياة هي دار ممر ليس أكثر من ذلك، ولا تستحق كل هذه الأحزان والأوجاع.

*إختصاصية في علم النفس الاجتماعي

إن التعليقات مهما كان مضمونها لا تعبر عن رأي إدارة الموقع