طائش قاتل

نسرين نجم - بيروت برس - 

دأب اللبنانيون منذ حوالى ثلاثة عقود تقريبًا، أي بعد انتهاء الحرب الأهلية، على التعبير عن أحزانهم وأفراحهم بإطلاق الرصاص العشوائي، وكأنهم بذلك يكرمون الميت أو يتباهون بالمحتفى به، وتحولت لغة الرصاص إلى وسيلة لإثبات الذات والسيطرة كما كان يحصل سابقًا عند ظهور أي زعيم سياسي على الشاشة بخطاب أو بمقابلة، فتبدأ كل جماعة بإلقاء التحية عليه عبر وابلٍ من الرصاص، وفي بعض الأحيان وصل الأمر لإطلاق الـ"b7" والهاون... 
هذه السلوكيات أفقدت الكثير من العائلات فلذات أكبادهم وأحبابهم، وتكاد تقريبًا لا تجف دمعة إلّا ونسمع باسم ضحية جديدة سقطت نتيجة الرصاص الطائش، كما حصل منذ أيام قليلة مع الضحيتين آمال خشفي وسارة سليمان، وغيرهما الكثير من الأطفال والشباب، ومن تنقذه العناية من الموت يصاب بشلل أو إصابة بليغة.. 

إنّ هذا السلوك والنتيجة الحتمية التي تنتج عنه يشيران إلى الكثير من الأزمات منها:
- إنتشار السلاح بشكل كبير عند الجميع، فيكاد لا يخلو بيت من وجود قطعة سلاح.
- جرثومة العنف لا تزال متغلغلة عند البعض وكأنها من بقايا أو ترسبات الحرب الأهلية التي سكنت واحتلت اللاوعي، وأصبحت تتناقل من جيل لآخر وكأنها من الجينات الموروثة أو المكونة لجسم الإنسان.
- التغطيات الأمنية والحزبية في الكثير من الأحيان لمطلقي النار.
- اعتبار المسدس أو أي قطعة سلاح فيتامين للقوة، فمنها يستمد حاملها الأمان والسيطرة والسلطة وفرض الذات واعتبار نفسه "عنتر المنطقة".
- غياب ثقافة الوعي وإدراك مخاطر هذه الأمور.
- العقوبات التي تؤخذ بحق مطلقي النار ليست كافية ولا تلقن درسًا لمن تسول له نفسه للقيام بمثل هكذا خطوة.
- ولا يمكن أن ننسى شبكة الأمن والأمان الاجتماعي، وغياب مفهوم دولة "الرعاية الاجتماعية"، وكثرة التوترات والضغوطات. إلى جانب عدم تحكيم العقل وسرعة الانفعال من قبل البعض كما يحصل في حال وقوع حادث سيارة أو خلاف على موقف للسيارة، حيث يشهر كل طرف سلاحه بوجه الآخر، وللأسف الضحية دائمًا هم من الأبرياء الذين لا حول ولا قوة لهم في هذا الخلاف.

إنّ هذا الفلتان في حال بقائه على ما هو عليه، ستكون تداعياته خطيرة على المجتمع ككل، وستتحول لغة الرصاص إلى لغة يومية يعتنقها الكثير إما لأخذ الثأر أو للحصول على حقوقهم أو غيرها من الأمور.. لذا، من الضروري:
- التحرك السريع من قبل الجهات المعنية لوقف هذا النزيف اليومي، ومن الضروري أن ترفع الأحزاب الغطاء عن كل مطلقي النار، ليعاقبوا ويحاسبوا ويكونوا عبرة لمن يعتبر.
- حملات توعوية وتثقيفية تقوم بها مواقع وسائل التواصل الاجتماعي والوسائل الاعلامية حول مخاطر استخدام السلاح بشكل عشوائي.
- تعزيز الرادع الإيماني والأخلاقي، وهذا يبدأ من النواة الأساس لبناء المجتمع قصدنا بها الأسرة، مرورًا بكل الحلقات المؤثرة في تكوين شخصية الفرد من المدرسة إلى الجامعة إلى الشارع إلى الوسائل الاعلامية، وصولًا إلى الدولة اللبنانية.
- العمل على استبدال الرصاص في الأفراح بالمفرقعات النارية، وبدل تكلفة الرصاص الذي يطلق في تشييع الموتى، والذي لا طائل منه ولن يعيد من توفى، يمكن إقامة وليمة عن روح المرحوم بنفس التكلفة.

الرصاص الطائش آفة كلنا معرضون للإصابة بها.. فلا تفرح بإطلاق النار لدقائق لأنك قد تبكي أسرة بأكملها لمدى العمر، وقد تقضي سنيّ حياتك خلف القضبان.
الرصاصة مكانها بصدر عدوك، لا بقلب أخيك في الوطن.

* إختصاصية في علم النفس الاجتماعي