لا أريد تسمية المقال رسالة الى السيد

إيهاب زكي - بيروت برس - 

لا شك أن السيد نصرالله أكثر تواضعًا منّا نحن الذين نشاهد سيفه، فكلما استبد بنا غرور قدرة حامل السيف تلحف هو بالتواضع، وقد يكون تواضع السيد نصرالله الفطري لازمة شخصية وأخلاقية، لكن تواضعه المكتسب ضرورة وطنية وقومية، فلم يسبق لقائد تاريخي أن زهد بانتصاراتٍ عسكرية صعبة ومكلفة، دون تجييرها شخصيًا أو حزبيًا-أو مذهبيًا حسب العرف السائد- لتحصيل مكتسبات سياسية ومالية. فهذه المرة الأولى التي يقول فيها قائدٌ عربي منذ سقوط الأندلس "أُنجزت المهمة"، وأنا شخصيًا قرأتها كتتويجٍ مستحق لإحدى مراحل زمن الانتصارات، وكمقدمةٍ لمرحلةٍ جديدة يعلن فيها الرئيس الأسد "إنجاز المهمة" بعد القضاء على آخر بؤرةٍ إرهابية وتوحيد الجغرافيا السورية، كتتويج لمرحلةٍ وسطى من مراحل زمن الانتصارات، واستعدادًا عمليًا واقعيًا ليعلن قائدٌ ما إزالة "إسرائيل"، كمرحلةٍ ما قبل الأخيرة، لإعادة الوحدة والبناء والانطلاق نحو مستقبل أمةٍ استحقت الريادة بجدارة الصبر والتضحيات، لتسود ألفيةً جديدة قبل أن تضمحل وتسقط "أندلسها" الجديدة مجددًا وتسطو عليها ذئاب الشرق والغرب، ويظهر "نفطها" الجديد وتعهد به لـ"آل سعود" ذلك الزمان الجديد، وتبدأ الأمة في انتظار نصرالله "ـها" الجديد.

بعد إعلان السيد نصرالله عن إنجاز المهمة وتسليم المنطقة الحدودية للجيش اللبناني، اعتبر بعض الذين حاججوا بما اعتبروه تعديًا من حزب الله على مهام الجيش اللبناني بحماية الحدود، احتجوا اليوم باعتبار أنّ هذا التسليم هو تسخير للجيش اللبناني لمهامٍ حزبية وأهدافٍ إيرانية، ثم في الجملة التالية لهذا الاعتبار الذي ينم عن سطوة الحزب وعنجهيته، يضيفون أن هذا الانسحاب مجرد امتثالٍ قسريٍ ورضوخٍ لاتفاق مناطق خفض التوتر، وهو مقدمة طبيعية لانسحاب الحزب اندحارًا من كامل الأراضي السورية، لأن هذا التواجد لا تقبله أمريكا ولا "إسرائيل" ولا الأردن على حدودها. والسؤال هنا، كيف يستوي الإذعان والامتثال مع تحقيق الأهداف الحزبية والإيرانية، والسؤال الثاني هو لماذا يتقاطع في عقول هؤلاء كل ما تريده أو ما لا تريده أمريكا مع مشيئة القدر، حتى أن الأردن أصبحت له مشيئة قدرية لمجرد أنه يدور في الفلك الصهيوأمريكي، فيضعونه في مرتبة "اليريد واللايريد"، وهذه من ضمن السخريات التي تتساقط علينا ليل نهار، من قبيل تصوير "الخوَّات" التي يدفعها آل سعود لترامب كرسومٍ لصك العبودية المتجدد، دليلٌ على مركزية العائلة السعودية وأهميتها في رسم السياسات الأمريكية للمنطقة.

وفي إضافةٍ صادمة لقواعد الردع لما يسمى بـ"إسرائيل"، اعتبر السيد نصرالله أنه لا توجد نقطة في فلسطين المحتلة في منأى عن صواريخ الحزب كما أنها ليست بمنأى عن أقدام رجال الحزب، وأقدام الرجال تعني الوطء، وهو مختلفٌ عما أعلنه السيد سابقًا عن معركة الجليل، فمعركة الجليل كانت تعني أنّ الحزب في معركته المقبلة مع ذلك الكيان، ستكون الجليل مسرحًا لمعركةٍ برية، تفيد الحزب في تظهير انتصاره مجددًا وانكسار العدو لاضطراره تقديم تنازلاتٍ قاسية ومهينة مقابل "إعادة انتشار" رجال الحزب من الجليل، أما أن تكون فلسطين المحتلة كلها ليست بعيدة عن أقدام المقاومين، فهذا يعني بعيدًا عن تواضع السيد نصرالله، معركة تحريرية شاملة لا مكان فيها لإعادة الانتشار، وإعادة تشتيت بني صهيون في كل المعمورة لإعادة التاريخ لمساره الطبيعي والحتمي. ومع الأخذ بعين الاعتبار تواضع السيد، فقد يكون المعنى أنها عمليات خاطفة على طول فلسطين المحتلة وقت الحرب، وفي كلتا الحالتين فإنّ صدمة الكيان ستجعله في غيابة التردد والارتجاف من إطلاق الطلقة الأولى، حين يتصور مثلًا أن يقوم المقامون بالسيطرة على مفاعل ديمونا، وإعلان إنجاز المهمة من هناك، أو إعلان السيطرة على شارع "ديزنغوف" وسط "تل أبيب"، أو السيطرة على قاعدة عسكرية هنا أو هناك، إن مجرد تصوّر هذه العمليات الخاطفة، ستخطف أنفاس قادة العدو رعبًا مهما أمدهم النفط العربي بالأكسجين ومضادات الرعب.

وتساءل السيد نصرالله بلكنة العارف والساخر عن مخرجات "القمم العربية الإسلامية" الأمريكية التي ستجري في الرياض، وضرب مثلًا بـ"قمة شرم الشيخ" التي جاءت في زمنٍ مختلفٍ كليًا عن زماننا هذا، وهذا من باب التعريض بالقمة وتمهيد لوضع مخرجاتها التي تستهدف محور المقاومة في أقرب سلة مهملات، كما حدث مع مخرجات قمة الشرم، ولكن ترامب بدأ بالحصاد قبل الزرع، فقد باع السعودية أسلحة بمئة مليار دولار عاجلة، وعقد توريد أسلحة بثلاثمئة مليار على مدى عشر سنوات. وأول سؤال يخطر بالبال وقت سماع نوعيات الأسلحة، هو من سيستعملها، والكائن المسمى جيش سعودي لا يجيد إلا التصوير المتكلف والمبتذل أمام كاميرات إعلام النفط، إذًا في حال تسليمها أصلًا سيشرف عليها ضباط وجنود أمريكيين و"إسرائيليين"، والنتيجة قواعد أمريكية و"إسرائيلية" جديدة يُرفع عليها علمٌ يحمل الشهادتين. كما أنه تلقى وعدًا من المعتدلين بتسهيل مهمته لإنهاء الصراع العربي "الإسرائيلي"، والإجهاز على القضية الفلسطينية، وكانت وثيقة حماس إحدى أوجه الالتزام بتلك الوعود، فلا يُعقل أن تحضر السعودية بالمال وإشهار التعايش والتسامح مع "إسرائيل"، وتحضر تركيا ثم قطر بخفي حنين. كما أشار السيد إلى انسجام المحور بشكلٍ غير مسبوق، وهذا يهدم كل رهانٍ على زرع الأسافين، وأردف أنه خلف القيادة السورية فيما تراه وتقرره، وفي تأكيدٍ على هذا الانسجام قال الرئيس الأسد "لست متعبًا ولن أتنحى"، وهنا وجه التطابق وليس كما يُهيأ للنفط بأنه تمهيد للتنازلات التفاوضية عبر اتفاق أمريكي روسي مصحوبًا بضغط روسي. وأخيرًا لا أريد تسمية المقال بـ"رسالة الى السيد"، خجلًا من كبريائنا به، وهو سيد التواضع المقتدر، فيا سيد تواضع كما تشاء فلا يسعنا إلّا مطاولة عنان السماء بوجودك.