معلولا على درب جلجلة «المأساة السورية»

لم تسلم  أقدم المدن والقرى الآرامية في ريف دمشق، وأقدس مدينة تاريخية مسيحية بعد القدس، من هجمات المسلحين وممارساتهم، الوحيدة «معلولا» هي التي حافظت حتى الآن على لغة السيد المسيح عليه السلام، فحملت رمزية تاريخية كبيرة على مر العصور، حلت عليها غيمة النصرة السوداء وحلفائها في ما يسمى «أحرار الشام» و «الجيش الحر» فقاموا بمهاجمة المدينة واقتحامها فجر الخميس، وعملوا على إرهاب مواطنيها الآمنين عبر إطلاق النار على المنازل وافتعال اشتباكات على وقع إطلاق الشعارات والتكبيرات التي توحي بأنهم قد قاموا بتحرير القدس أو فتح «روما»، أو اقتحام عاصمة الصليبيين كما أعلنوا في تسجيلاتهم المنشورة على موقع «يوتيوب».

روايات المعارضة تحدثت عن سيطرة المسلحين على الحواجز المحيطة بالبلدة بعد تفجير أحدها من قبل انتحاري من جبهة النصرة عند مدخل المدينة، وقال المرصد السوري لحقوق الإنسان "أن الانفجار تلاه اشتباكات عنيفة بين مقاتلين من النصرة والكتائب المقاتلة من طرف وبين عناصر القوات النظامية المتواجدة على الحاجز، مما أدى إلى إعطاب دبابتين وعربة ناقلة للجنود ومقتل 8 عناصر من الجيش السوري على الحاجز". وأشار المرصد إلى أن الطيران الحربي شن 3 غارات جوية على الأقل على الحاجز بعد سيطرة المقاتلين عليه.

سيطرة المسلحين على الحاجز الواقع على مدخل المدينة سمحت لهم بالسيطرة على أجزاء واسعة منها، لم تلبث تحت سيطرتهم وقتاً طويلاً حيث قامت مجموعات من اللجان الشعبية بطرد المسلحين من المدينة. كما أكد مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان في تصريحات للنهار أن "المقاتلين الإسلاميين انسحبوا من المنطقة بعد اشتباكات عنيفة مع اللجان الشعبية والقوات النظامية، وأن اللجان تُحكم سيطرتها الآن على معلولا بعد طرد المسلحين الذين أتوا من ناحية القلمون".، وأضاف أنه "لم يسقط ضحايا مدنيون في المنطقة خلال الاشتباكات، وأنه لا يمكن تأكيد أخبار اقتحام كنائس".

من جهة أخرى أعلن «الجيش السوري الحر» انسحابه من مدينة معلولا وذلك بعد ساعات من سيطرته عليها كما ادعى الناطق باسم المجلس العسكري في دمشق وريفها، مصعب أبو قتادة، مضيفاً "ان الجيش الحر قرر الانسحاب من المدينة خوفاً على أرواح سكانها المدنيين من قصف قوات النظام التي تحاول استعادتها وكذلك تخوفاً من ارتكاب مجازر فيها واتهام الجيش الحر بقيامه "بمجزرة طائفية" كون غالبية سكانها من المسيحيين".

رئيسة دير القديسة تقلا في معلولا، الأم بلاجيا سياف، قالت "ان المسلحين دخلوا إلى البلدة معلنين احتلالهم لعاصمة النصرانيين. قبل وصول تعزيزات للجيش السوري مظللة بسلاح الجو، فخاضت اشتباكات مع المسلحين وأجبرتهم على الانكفاء إلى خارج البلدة".
وتابعت الأم قائلة ان "قذيفتا هاون سقطتا في الدير"، مشيرة إلى أن "الراهبات الخمسة عشر والأطفال الأيتام الذين يعيشون في الدير قضوا ليلتهم في مغارة جبلية".
وتضيف الأم سياف أن أصداء المعارك لا تزال تُسمع وإن بوتيرة أخف، آملة في عودة الاستقرار إلى معلولا سريعاً، خصوصاً أن عدداً كبيراً من أبناء البلدة قد غادرها إلى دمشق.

بطريرك الروم الكاثوليك غريغوريوس الثالث لحام أكد ان "هجوماً كبيراً حصل في منطقة معلولا من الذين يدعون أن فعلتهم سببها التحرير بينما هي تدمير وإرهاب".
وأضاف في اتصال مع تلفزيون "تيلي لوميار" ان "المسلحين دخلوا إلى بيوت، وقاموا بحرق صلبان وصور قديسين"، مشيراً إلى أن هناك "خوفاً بين أبنائنا، ومنهم من ذهب إلى الشام، ونأمل أن يسوي الجيش الأمور".، وناشد لحام "القوى العظمى بالعمل من أجل السلام".

نبذة تاريخية
معلولا (بالسريانية: ܡܥܠܘܠܐ) مدينة سورية تقع في شمال غرب دمشق على بعد 50 كم، وترتفع عن سطح البحر بحوالي 1500 متر. اسمها يعني المكان المرتفع ذو الهواء العليل حسب اللغة السريانية التي ما زال سكان معلولا يتحدثون بها.
تشتهر بوجود معالم مسيحية مقدسة ومعالم قديمة مهمة يعود تاريخها للقرن العاشر قبل الميلاد. كما أن سكانها من المسيحيين والمسلمين ما زالوا يتكلمون باللغة الآرامية (السريانية) لغة المسيح حتى اليوم بجانب اللغة العربية كما في قرية جبعدين وبخعة.

وتحتوي معلولا على معالم تاريخية متفردة أهمها الاديرة والكنائس والممرات الصخرية وعلى أثار مسيحية قديمة وهامة في تاريخ المسيحية منها كنيسة بيزنطية قديمة وأضرحة بيزنطية منحوتة في الصخر في قلب الجبل، كما يوجد فيها دير مار تقلا البطريركي. تتميز بيوت بلدة معلولا بارتفاع بعضها فوق بعض طبقات بحيث لا تعلو الطبقة الواحدة منها أكثر من ارتفاع بيت واحد لتتحول بذلك سطوح المنازل إلى أروقة ومعابر لما فوقها من بيوت لتكون ذات طابع متميز. أما الأوابد والأحجار الضخمة والكهوف والمغارات المحفورة في الصخر التي سكنها الإنسان القديم فتحكي قصة تاريخ آلاف السنين منذ العهد الارامي الذي كانت فيه معلولا تتبع مملكة حمص إلى العهد الروماني الذي سميت فيه معلولا سليوكوبوليس وإلى العهد البيزنطي الذي لعبت فيه دوراً دينياً مهماً عندما أصبحت بدءً من القرن الرابع مركزاً لأسقفية استمرت حتى القرن السابع عشر.

دير مار تقلا
يضم دير مار تقلا رفات القديسة تقلا ابنة أحد الامراء السلوقيين وتلميذة القديس بولس وماءً مقدساً للتبرك، ويقع في مكان بارز من القرية ويطل من جوف الكهف الصخري الذي عاشت فيه بعد هروبها من أهل السوء حيث لا يزال هذا الكهف ظاهراً حتى اليوم وفي رحابه بني دير مار تقلا الذي بقي حتى الآن رمزاً للقداسة وحياة القديسين.
وتعيش اليوم في دير مار تقلا رهبنة نسائية ترعى شؤونه وتعتني به وبزائريه الذين يأتون إليه من كل صوب ومن كافة أنحاء العالم للتبرك وللزيارة. وإذا أمعن الزائر النظر من سطح الدير إلى الصخور المحيطة شاهد القلالي (اي غرف الانفراد المحفورة في الصخر) التي كانت خلوات للمتوحدين الرهبان الذين ينصرفون إلى الصلاة والتأمل والتقشف والزهد مما يدل على أن معلولا كانت مدينة رهبانية مقدسة ترتفع منها الصلوات والتضرعات ليلاً نهاراً إلى الله.