قراءة نقدية لرواية "خلف العتمة" للروائي سليم اللوزي

نسرين رجب

خلف العتمة هي رواية تغوص في عُمق اللاوعي لتُوقظ الوعي إلى الكثير من مُغيّبات عصرنا الحاضر، تُثير إشكالية العلاقة مع الله المُرتبِطة بالتخويف والتعنيف مُنذ الطفولة، (في حال كذبتما علي، فإن الله سيخنقكما ليلًا..)، حيث يُصبح الامتناع عن السرقة وعن الزنا وعن شرب الكحول خوفًا من عقاب الله وليس حُبًا وإرضاءً لله. وتُشير أيضًا إلى أثر رجال الدين على حياتنا، فهُم يمتلكون النص والعدّة لحصر العقل في مرجعيّته القديمة، وإماتة أي دافع علمي عبر التميمة والطقوس التي يدّعون من خلالها حل مشاكل النفس البشريّة وما يعتريها من وهنٍ وتردٍّ في حالات كثيرة. وفي مشهدية عابرة تشير إلى العُنف الزوجي المُدعّم بسكوت المرأة، إلى الأطفال المُشردين الذين يعملون بما استطاعوا لكسب رزقهم ولا يفقدون إنسانيتهم برغم تعرُضهم لشتى انواع المخاطر أقلّها البحث عن الطعام في المستوعبات والتعرُض للتحرُش، رواية تضّج بالكثير اللامُحكى عنهُ، لو تغلغل المؤلف في كُل مشهد منها لفتح عالمًا لا ينتهي من السرد.

العنوان يوحي بالغموض، خلف بمعنى غير مرئي للناظر أمامه، العتمة هي اللاضوء، الظلام وما يثيره من صور وتخيُّلات يرسمها العقل غير المُدرك لما تُخفيه في جوفها: "في ظلم العقل البعيد عن البصيرة يمكنك ان تفعل كل شيء".

الراوي وشخصنة السرد:
يفتتح الراوي سردهُ بالأنا الشخصية، حيثُ الراوي يتحدث بلسان الشخصيّة ويتحرك وِفق تحرُّكها، لتُشكّل بذلك عُنصرًا أساسًا في العالم التخييلي كونها محور السرد ومُنطلقه، يشاهد ويرى ويسمع ويختبر ويُخبّر عن تجربته النفسية.
فالسرد شخصي كثيف ينجزه الراوي بضمير المتكلم، أي هو راوٍ حقيقي منتمٍ الى عالم السرد وشخصيّة محورية فاعلة تنتمي الى زمن الحدث، فزمن الكلام مواكب لزمن الفعل، أمّا عن علاقة الراوي بمستويات السرد فهناك حكاية أُحاديّة يروي من خلالها حكايته التي تتخللها تفرُّعات لحكايات على صلة بمضمون الحدث، إذًا الراوي هو الشخصيّة عينها، بكونه يروي بضمير المتكلم، وعلاقته بكون القص الزمكاني علاقة انتماء وحضور بوصفه شخصية فاعلة، ومن حيث علاقته بمستوى السرد هو خارج كون القص، وبكونه الراوي الأول جاء السرد كثيفًا، فالمستوى الأول للسرد يكشف عن شخصية خارج كون السرد الآني تروي سيرتها.

المنظور الروائي:
الراوي يقدم لنا الرؤية من منظور خارجي حيث ينقل لنا ما يُشاهده في تخيُّلاته، يرصُد مادية الأشياء ويتكهن بما تُخفيه وراءها، برنامج السرد يجري متزامنًا مع الحدث ولكنه يقف أحيانًا للتعليق على مشهد أو لاسترجاع حادثة مفصلية كحادثة موت صديقه في الصغر.
وهي رؤية تصوغ الحدث من خلال وعيه بما يرى ويسمع ويعيش، وبما يعرفه كما في حديثه عن شخصية الجرّاح، أو عن شخصية الفتى ماسح زُجاج السيّارات، حيث يدعوه الى تناول الطعام معه فيُبدي الفتى تهذيبه وتعفُفه برغم الجوع، فهو قدّم لنا أكثر من مشهد حاول من خلاله تحليل وتقديم رؤية ذاتية مضخّمة من خلال ما تنعكس به في عتمته وما يتراءى له فيها من كوابيس. أمّا "التبئير" هنا فهو داخلي حيث المعلومات خاصة بالشخصية وبما تُقدّمهُ عن نفسِها وعن الآخرين، فالخطاب حُر مُثبّت على شخصية واحدة تمر عبرها الحكاية.

السرد بين الواقع والتخييل:
الأحداث تتخذ من التخييل مداها، بعيدًا عن منطقية العقل يدخل في العتمة مسلوب الإرادة، حيثُ تّشكل العتمة فضاءً محوريًّا تهيم فيه الشخصيّات والأحداث في مشهدية غير مُترابطة، الحزينة، فتاة نحيلة تقف خلف الأبواب تتراءى له في كُل مشهد بعد دخول عالم العتمة، تجري بينهما حوارات، وآراء، تشده إلى عالم جسدها حتى تصير العتمة ملاذه، وقد احتلّ هذا التخييل مساحة طويلة من السرد، لأنه الأغرب والأشد تأثيرًا على سيرة حياته، وكونه يشُذّ به عن روتين واقعه المُكرّر..
امّا الواقع فهو مُحدد السرد، وقاصر على ذكر أسماء الأمكنة: "بيروت، عين الرمانة، المكتب، زحمة السير، السوديكو، ساحة ساسين، كورنيش البحر، البيت.."، وأشخاص مُعيّنين كالزوجة، وصديقه غسان، الشيخ عبد الغفور، الجرّاح، أمّه، هؤلاء نلمحُهم في حوارات مُجتزأة، فمثلًا: أمه شكلت عُنصرًا محفزًا في اتخاذه القرار برمي التميمة ورغم ذلك لم نقع على وجودها الا من خلال اتصال هاتفي... العجوز التي تجمع الخضر التي ليس للبائعين حاجة بها، الفتى ماسح زجاج السيارات، مشكلة غسان مع زوجته يُمنى، الجرّاح رجل سكير مسكين يعيش مُشردًا على حسنات الجيران، الشيخ عبد الغفور الذي أخبره بأن ما يتعرض له في نومه هو من شر القرينة داعِمًا فرضيته بالآيات القرآنية والأحاديث، وأعطاه تميمة هي عبارة عن: زجاجة ماء صغيرة وكيس يحتوي على رمل بني مائل للاحمرار، وأخبره عن طقوس استخدامها كل صباح، فلم يلتزم بها.
يبحث في مُحرك البحث الإلكتروني غوغل عن إجابة علميّة، ولعل ذلك من سمات عصرنا الحالي حيثُ يُشكل الإنترنت بديلا معرفيًّا عن الكُتُب، فلا يجد إجابة وافية في المُتصفح باللّغة العربيّة، فيتجه للمُتصفح باللّغة الأجنبيّة، فيحصل على إجابة تُرضي منطق العصر: الانسان محاط بهالة كهرومغناطيسية تؤثر على تصرفاته اللامتوقعة وعلى أحلامه، يتصل بوالدته: اكسر الروتين الذي يحبسك، ارمِ التعويذة في البحر.

ثُم تتسارع الأحداث: رمي التعويذة، موت الجراح، قدوم طفل، عودة الحالة، الاستنجاد بالوعي: وحدك أيها الانسان.. تنتصر على مخاوفك، فكر بالإيجابية التي تخرجك من قيد السلبية، تهاجمه الأصوات، يرتطم أرضًا، في يده قطعة رمادية لزجة تتحرك، إشارة إلى القرينة، يعصرها بيده، تصرخ به الحزينة: "هذا عصبها، لا تفلته، ستعيش".. هذه النهاية تضع للقرينة حدًّا فتنتهي عن طريق الحلم كما اتت.

بناء الزمن، وطريق الحكاية:
السرد يتزامن مع الحدث حيث يتطابق فيه كلام الراوي مع جريان الحدث في الحاضر (تكاثر الضوء البارد، بدأ جسدها يتقلص، طبعت قبلة.. لوحت بيدها واختفت..)، الى غيرها من الأمثلة حيث تتهافت الأفعال، على وتيرة سرديّة واحدة، هُناك شخصية هي محور الحدث تسيرُ الحكاية وفق النمط الآتي: رجل متزوج ولديه عمل وروتين حياته اليومي، يحاول جاهدًا النوم، ولكن يُداهمه الأرق بعد كل مُحاولة فيدخل في العتمة وتقابله وجوه مخيفة وأصوات وبتمعن شديد يوغل وصفًا في الحالة التي تشده نحو عتمة الخوف: "..قدماي تطآن الأرض. تغيرت حرارة الأرض نسبيًا. أشعر بتجمّر في اليسرى"، "زوجتي نائمة"، "ترتفع الأصوات.. الضحكات.. الصرخات.."، "سقطت القذيفة... الاطفال لا يزالون يلعبون... المباني على الأرض، الأرصفة مقتلعة.. أشم الروائح وأميّز المشهد.. رن المنبه. لقد بدأ يومي".. زوجته تستيقظ، يعانقها، يستذكر شجاره معها ليلة امس، يحتسب أنه عوقب بسبب ذلك، يُمارس روتينًا يوميًّا يصفُه بالمؤلم، روتين ما قبل النوم، الزوجة تدخل الفراش هو يبقى مع تخيُلاته وصراعه مع النوم، وتنوَّع مُشاهداته لتعكس واقعًا كئيبًا، رجل يتألم حتى الموت.. ضحية مرمية على الارض... لقد قتلوه.. رجلان يعذبان سجينًا يجبرانه على الاعتراف يهددانه باغتصاب أخته.. يعترف بأنه مؤسس تنظيم ارهابي، أرجوكم لا تقتلوني.. الرصاصة اسرع من الضوء تُرديه قتيلًا، فيتحرر جسده في المكان بينما الجُثّة هامدة... فتاة نحيلة متوسطة الطول تقف بالقرب منه تهمس: الثوريون لا يموتون أبدًا... الضوء يتصاعد كالدخان من حوله.. يبدأ يومه.

على باب الغُرفة تقف الحزينة، روائح طيبة تلف المكان سألته ماذا يعرف عن الحقد، في ظلم العقل البعيد عن البصير يمكنك أن تفعل كل شيء، ونلاحظ في الصفحات الأخيرة قفز زمني تجلى بعد التخلص من التميمة وموت الجراح، "بعد مرور ثلاث سنوات" على حادث القتل، رزق بولد، إحياء ذكرى الجراح كونه كان يلقى تعاطف أهالي الحي، تغير نظام يومياته والأولويات، كل شيء بقي على حاله في الغرفة الا أنه تمت إضافة سرير للطفل، ولكن تعاوده الحالة تنخفض حرارة الغرفة، العتمة تشتد، كل شيء في مكانه تغرق عيناه بالدمع تختلط الأصوات وتعم الفوضى، يحاول اختراق عتمته حيث الحزينة الهاربة تختفي تاركةً صدى ضحكها.. أفتح الباب لا أرى شيئًا، يشعر بتكبيل أطرافه، يهمس: "وحدك أيها الانسان الضعيف تستطيع أن تنتصر على مخاوفك...."، فالزمن كان يتوقف في العتمة ليغيب في مشهديات مؤلمة، وفي بعض الحوارات، كما حواره مع الشيخ عبد الغفور، وعن طريق الاسترجاع كاسترجاع حكايات من الطفولة، أو وصف مشهد عابر، لذا فإنّ زمن السرد أطول من زمن الحكاية.

أمّا فيما خص المستوى التعبيري، فاللغة الروائيّة هُنا الفصحى وهي غير معقدة تتخللها نماذج من السرد آيِلة نحو شعرية الوصف والقول: "أؤمن أنّ الموسيقى صلاة، صلاة الروح مع المحيط"، "بدأ الضوء يتصاعد كالدخان"، "أعمدة الإنارة تضخ نورها بغزارة"، "أظافر حفرت في ظهري خرائط لمدن الحب.."، ونقع على بعض الحوارات هدفها كسر روتينية السرد المباشر والايحاء بنوع من المشاركة في بلورة مشهدية النص الروائي، الحوار مع غسان مع الشيخ عبد الغفور الذي يعبر عن وجهة نظر دينية فيما يخص بالقرينة، مع الأم التي تبدي تعاطفها ومحبتها وتدفعه لاختيار العلم طريقًا للخلاص.
إنهّا رواية تمشي على عجل، ليس فيها من الأحداث ما يوحي بتنامي العُقد، يبدو من خلالها الراوي مُستسلمًا للحالة، يغيب الواقع في روتينيته ليُفسح المجال لحالة الأرق المُمض والتي تكوّن عالم الراوي المسلوب من مكانيته وزمانيته، الواقع يبدو مُنتظمًا يسير وفق أولوية مُحددة، الزوجة التي لا نقع على الكثير من وجودها، حيث تأتي كمشهد غائب لتوحي بأن الواقع على ما يُرام، تبدو لنا زوجة مُحبة صالحة وكتومة، غسّان الصديق أخذ مساحة أكبر، حديثه الى الشخصية عن مشكلته مع زوجته التي تغار عليه، ومن ثم الحديث عن تكتمه وصولًا الى اعتراف البطل اليه عن هواجسه والحالة التي تنتابه بعدما تيقن من وجود مشكلة، فكان الحل بالذهاب الى الشيخ عبد الغفور، فيبدي نفوره من ثم يذهب على تردُد اليه، الشيخ يدعم وجهة نظره بالآيات البينات والأحاديث، عن حقيقة وجود القرين في حياة الانسان: "ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانًا فهو قرين"، يأخذ التميمة على مضض، لا يستسلم لغيبية المنطق الديني، يُقرر أن يبحث عن أدلة علميّة، فيكون الاستنجاد محرك البحث الأجنبي بعدما يئس من صيغته العربيّة التي ما قدمت له سوى المزيد من رؤية الشيخ عبد الغفور، كإشارة بأن البحث العربي مُقيّد بالديني، بينما الغربي تحرر من سلطة الغيب واتجه للعلم ليدعم عقل الإنسان ويُحرره من التقاليد والأساطير القديمة، فالعلم يُشير إلى أنّ المرء محاط "بهالة كهرومغناطيسية لها تردد، تنبع من القلب، وأول تأثير يتسبب في حدوث اضطراب لدى الانسان"، يتصل بوالدته التي تخبره أنّ ما به نتيجة تعب وارهاق، وتنصحه برمي التميمة في البحر فيشعر بالراحة لهذا القرار، وعندما يمر القفز الزمني حيث يُرزق بطفل، تعاوده الحالة، فيواجهها عن طريق التخييل وعالم الحلم، فتكون القرينة أو الطاقة السلبية هي: قطعة رمادية لزجة، تصرخ به الحزينة ألا يُفلتها لأنها عصب القرينة، وبهذا يُحكم قبضته عليها وينتصر على كوابيسه.

هي دعوة للخلاص والمواجهة، فما يؤذي الذات ولأن كان ضربًا من الفصام في رأي الآخر، أو شيطانًا ماردًا، أو قرينًا، يحتاج إلى مواجهة مُثبتة بعقل علمي غير مُستسلم لأحاديَة النص، عقل يبحث ويسعى لفهم مُشكلاته، هذا الوعي المُدرك لحيثيات المشهد وحده من واجه وانتصر على عذابات الذات والطاقة السالبة في عتمة الذات.