الحريري أمام مهلة حث أم إلزام؟!

 

جدد الرئيس المكلف تشكيل الحكومة في لبنان سعد الدين الحريري لنفسه “مهلة” إتمام عملية التأليف، فقد سبق للرجل أن أعلن في برنامج تلفزيوني يوم الخميس 4-10-2018 ان الحكومة العتيدة ستولد في مهلة أقصاها عشرة ايام، قبل ان يعود يوم الثلاثاء 9-10-2018 ليعلن ان الحكومة ستولد خلال الأيام العشرة المقبلة، اي ان الحريري أسقط المهلة الاولى وأعطى لنفسه فترة اضافية لانجاز العملية، من دون ان نعرف ما اذا كانت المهلة هي مهلة يلزم نفسه بها ام انها مهلة لحث نفسه وباقي الافرقاء السياسيين في لبنان؟

ومن غير المعروف لماذا يطلق الحريري الوعود والالتزامات ويلزم نفسه بمواعيد ومهل بينما هو منذ عدة أشهر غير قادر على إنجاز المهمة المطلوبة منه نتيجة العُقد المتعددة التي باتت معروفة للجميع والتي تتركز بأن البعض يريد نفخ حجمه الطبيعي والحصول على حصة وازنة اكبر من قدرته التمثيلية، بالاضافة الى حصول تدخلات خارجية ساهمت بتعقيد الاستحقاق، ولكن يبقى السؤال الأهم هل سينجح الرئيس المكلف بإنجاز المهمة المطلوبة خلال الأيام العشرة المقبلة؟ وكيف سيتم ذلك وعلى ماذا يستند حتى أطلق موقفه الأخير؟ هل هو للرد فقط على بعض المواقف التي اعتبرها تعقيدا لمهمته والتي أنهت المهلة الاولى التي أطلقها عبر البرنامج التلفزيوني أم ان الرجل واثق من قدرته على إتمام المطلوب والايفاء بالوعود؟ وكيف سينجح الرئيس المكلف في هذا الأمر بينما زيارة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الى ارمينا للمشاركة بالقمة الفرنكوفونية ستأكل عدة ايام من “المهلة الحريرية”، وبالسياق، نقلت مصادر صحيفة “اللواء” اللبنانية ان “الحراك التأليفي للرئيس الحريري سينشط خلال الايام المقبلة على ان يحمل إلى بعبدا صيغة حكومية جديدة بعد عودة الرئيس عون من أرمينيا بعد إدخال تعديلات طفيفة على الصيغة الموضوعة سابقا”.

واللافت ان الحريري عندما اعلن المهلة الجديدة، تبعها بتأكيده أنه إذا قدم اعتذاره عن عدم التأليف، فلن يقبل تكليفه مرة ثانية، واضاف “إذا اعتذرت عن عدم التشكيل، فإنني لن أطلب من أحد أن يكلفني”، هذا الامر يفتح الباب امام طروحات جديدة تحمل في طياتها تهديدا من الحريري بامكانية اعلانه اراديا بعدم السير بالتشكيل بعد فشله في اتمام المهة، ما يدفع للتساؤل هل مهلة العشرة ايام هي مهلة اسقاط التكليف ام مهلة فقط للتحشيد والحث على العمل اكثر؟ وهل انتهاء هذه المهلة بدون وجود حكومة ستعني ان الرئيس المكلف سيعلن اعتذاره عن التكليف؟

الاكيد ان لا شيء في الدستور اللبناني يلزم رئيس الحكومة بمهلة محددة لانجاز مهمته وهذه النقطة يعتبرها البعض “ثغرة” دستورية يتوجب معالجتها، باعتبار انه من غير المنطقي ان تبقى الامور مفتوحة بدون تحديد وضوابط، إلا انه وعملا بالقاعدة الشهيرة “ألزموهم بما ألزموا بهم أنفسهم” لا بد ممن يلزم نفسه بمهلة معينة ان يلتزم بها وينفذ ما وعد به، وانطلاقا من ذلك اذا كان الرئيس الحريري يعتبر نفسه ملزما بإتمام المهمة ضمن مهلة العشرة أيام والعمل بجدية لاتمام عملية تشكيل الحكومة.

أما اذا اعتبر الحريري المهلة غير ملزمة فهو بالتالي لن يقدم على الاعتذار عن التكليف فيما لو لم تتم عملية التأليف خلال 10 أيام، وعليه ان يعمل على البحث عن مخارج جديدة لعله يخرج من الحلقة المفرغة التي يدور بها منذ فترة ليست بالبسيطة، اللهم إلا إذا أراد الحريري الخروج من المهمة بإرادته المنفردة منعا لمزيد من الإحراج له ولحلفائه نتيجة عجزه عن تشكيل الحكومة، علما ان غالبية القوى السياسية في لبنان أعلنت انها مستمرة على موقفها بتكليف الحريري لتشكيل الحكومة على الرغم من كل المواقف المنتقدة لإدارة ملف الاستحقاق الحكومي حتى الساعة.

بكل الأحوال فإن اللعب على الكلام السياسي وغير السياسي وإعطاء المهل سواء الملزمة او غير الملزمة، وإطلاق الوعود والتمنيات كلها لن تفيد في تشكيل الحكومة العتيدة من دون الدخول الى أساس المشكلة والبحث عن حلول لها، فالمشكلة الرئيسية كامنة بعدم اعتماد معايير موحدة لتشكيل الحكومة وبالتالي فإن عدم اعتماد الأسس الواحدة سيؤدي الى نتائج غير سوية وسيجعل المسألة تتعقد أكثر فأكثر وسيزيد من الصعوبات الحياتية واليومية التي يعاني منها المواطن اللبناني من دون الحكومة، وانطلاقا من ذلك تبقى التساؤلات عن الاسباب الحقيقية خلف تمسك كل فريق بمطالبه مقابل بقية الأطراف وعدم القبول بتقديم التنازلات والتواضع والقبول بالأحجام الحقيقية بما يصب أولا وأخيرا في مصلحة الوطن.