اللبنانيون ضحية المماطلة الحكومية والتدخلات الخارجية

 

تتواصل المماطلة المريبة في عملية تشكيل الحكومة العتيدة في لبنان من دون القدرة على تحقيق التقدم المطلوب لحل العُقد التي باتت معرفة للجميع، في ظل بروز مؤشرات كثيرة تؤكد ان التأخر في إنجاز التأليف يؤدي الى الإضرار بمصالح الناس على مختلف الصعد الحياتية والمعيشية.

كل هذا الوضع يدفع لطرح العديد من التساؤلات عن الاسباب الحقيقية للتلكؤ والمماطلة في تشكيل الحكومة وتعليق شؤون الناس وحاجياتهم المعيشية والحياتية، بالاضافة الى تأجيل البت بكثير من الملفات العامة المتعلقة بمشاريع او حقوق موظفين وغيرها من الجهات، بانتظار ولادة الحكومة التي كلف الرئيس سعد الدين الحريري بأغلبية نيابية وازنة لتشكيلها، كل هذه التساؤلات توضع بالدرجة الاولى برسم الحريري نفسه لان المسؤول الاول عن إعداد تشكيلة وزارية متوازنة تراعي الاحجام الحقيقية لمختلف الافرقاء عبر اعتماد معيار واضح لكيفية توزيع الحقائب والمقاعد ومراعاة التوازن الطائفي داخل مجلس الوزراء قبل عرض التشكيلة المقترحة على رئيس الجمهورية للتوقيع بالاشتراك مع الرئيس المكلف على مرسوم التشكيل، قبل التوجه لاعداد البيان الوزاري الذي ستنال على أساسه الحكومة الثقة من عدمه امام مجلس النواب.

لذلك يبقى السؤال الأساس لماذا لم يتم تشكيل الحكومة حتى الساعة وما الذي يؤدي الى كل هذه المماطلة ومن يتسبب بالعرقلة غير المقبولة على الاطلاق؟ هل العرقلة داخلية بحتة ام ان هناك جهات خارجية تمنع انجاز هذا الملف؟ وحتى متى على الناس المعاناة وتحمل الاثمان اليومية وانتظار اهل السياسة ورئيس الحكومة المكلف لاتمام واجباته في هذا السياق وتقديم التشكيلة المناسبة سياسيا ودستوريا؟ فمن حق المواطنين الذين شاركوا بالانتخابات النيابية وأدلوا بأصواتهم لهذه الطبقة السياسية ان يجدوا سرعة ومرونة اكثر بتشكيل الحكومة التي تحترم نتائج الانتخابات وأحجام القوى المختلفة والانطلاق لتنفيذ سياسات تخفف من الضغوط الاقتصادية بالدرجة الاولى عن الناس وتضع الملفات العالقة في مختلف الاتجاهات على سكة الحل.

وتبقى التساؤلات المشروعة انه لماذا على الناس في لبنان انتظار معجزات ومفاجآت لتشكيل الحكومة، بينما الواقع والبديهي ان يتم ذلك بسرعة وبسلاسة كما في مختلف دول العالم، فالاصل والطبيعي ان يتم انجاز مثل هذه الملفات بشكل سريع وروتيني دون تأخير او مماطلة لان الدول والمرافق العامة فيها لا تحتمل البقاء بدون حكومة ووزراء يتدبرون امورها، ولا يجوز ترك البلاد في ظل حكومة تصريف اعمال ووزراء يعملون بالحد الادنى المطلوب للحفاظ على سير المرافق العام، فالاصل هو وجود حكومة شرعية قائمة تعمل بشكل منتظم وفعال والاستثناء ان نكون في ظل حكومة تصريف الاعمال، والاستثناء يجب ان يطبق في إطاره الضيق من دون ان لا يتحول الى “ما يشبه الاصل” كأمر واقع في البلد نتيجة الظروف والذرائع المختلفة التي يقدمها البعض في لبنان.

والحقيقة ان إشغال الناس بخلافات القوى السياسية وأحجامهم في الحكومة لإبعادهم عن مشاكلهم الحياتية هي محاولة إلهاء عن الضغوطات التي يعانون منها وتتحمل مسؤوليتها الدولة والحكومات المتعاقبة منذ مطلع تسعينات القرن الماضي وحتى اليوم، بدءا من المديونية العالية وفرض الضرائب بشكل غير منطقي على المواطنين وصولا للازمات في مجال الكهرباء والماء وزحمة السير والتلوث البيئي وغيرها الكثير من الملفات الشائكة التي تحتاج الى حلول طويلة الامد نتيجة تأزمها بسبب سياسات الحكومات المذكورة، وبالتالي مع الوقت بات همّ الناس ان يتفق أهل السياسة ويتفقوا على أحجام ومحاصصة ترضيهم لان ذلك هو المدخل للخروج من النفق المظلم ومن حالة المرواحة لعل ذلك يشكل منفذا لحل الأزمات المتراكمة.

لذلك على أهل السياسة الرأفة بالناس والتخفيف عنهم عبر عقد النوايا الجدية لحل العقد وتقديم التنازلات بما يخدم الصالح العام وعدم البحث فقط عن المصالح السياسية الضيقة وعرقلة كل الحلول بسبب مقعد هنا او حصة هناك، لان من شأن ذلك هو إفشال كل الآمال المعقودة على تقديم نموذج جيد اليوم في العمل السياسي والحكومي في لبنان، وعلى أهل السياسة الاقتناع ان اعتماد الاستنسابية والمعايير غير الموحدة والنكد السياسي والنكد المقابل لن يوصل الى اي نتيجة بل سيزيد من تعقيد الامور.

لكن يبدو ان هذه المماطلة ومحاولة كسب الوقت والدخول في نزاعات سياسية ودستورية حول الصلاحيات وحقوق الطوائف وغيرها من العناوين المعلنة، سببها وجود نوايا مبيتة يهدف أصحابها لتحقيق بعض المكاسب على حساب الشركاء في الوطن او نتيجة الرهان على بعض المتغيرات في الاقليم، بالرغم من ان هذا الامر سبق ان جُرّب وأثبت فشله لان من يراهن على ذلك فهو كمن يراهن على وهم وسراب، لان فموازين القوى الداخلية في لبنان لا تتأثر بفترة زمنية من هنا او برهان من هناك، لان الاوضاع في هذا الوطن تحكمها ظروفها وأوضاعها النابعة من الصيغ اللبنانية القائمة على العيش المشترك والتعاون وعدم إقصاء وإلغاء أحد.