خطوط تماس نفسية

نسرين نجم - بيروت برس - 

رغم انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية منذ أكثر من عقدين، إلا أن ترسباتها وتراكماتها لا تزال موجودة حتى الآن عند العديد من الأشخاص من الطائفتين المسيحية والاسلامية ، فالإنشراخ الطائفي الذي حصل إبان الحرب وتقسيم العاصمة إلى "شرقية" و"غربية"، والخلفية الثقافية المكونة تجاه الآخر ولدت حالة من التنافر بين أبناء الوطن الواحد عززها خطاب سياسي متطرف، وعدم العمل الجاد لإلغاء الطائفية من النفوس قبل النصوص، وغياب كتاب تاريخ موحد ولقانون انتخابي يقرب المسافات بين اللبنانيين، إضافة إلى تحول بعض الوسائل الاعلامية إلى أبواق تبث سمومها الطائفية والمذهبية وتعمل على شحن النفوس وإثارة الغرائز حتى المناطقية. وإعتبار البعض وتمسكهم بأن الأنا تستمد قوتها من المكان الذي تحول إلى رحم لقاطنيه يشعرهم بالأمن والأمان سيما إذا كان هذا المكان يجمع نفس الطائفة، إن لم نقل نفس المذهب وحتى نفس التنظيم السياسي..

لذا نلاحظ بأن الكثير من المناطق اللبنانية تعكس هوية ساكنيها الدينية وحتى الحزبية، الأمر الذي دفع البعض إلى تمنعه عن بيع شقق وأراضٍ ومحلات للمسلمين كما حصل في منطقة الحدث على سبيل المثال، وصولًا إلى ما حصل منذ يومين في سد البوشرية في إحدى بيوت الطالبات (الفويهات) حين رفض صاحب الاشتراك ( الخاص مولد الكهرباء) إعطاء الكهرباء لإحدى الفويهات والسبب وجود فتاة محجبة من الطائفية الشيعية تسكن هناك، هذه الفتاة التي تتابع دراستها في الجامعة اللبنانية كلية الاعلام الفرع الثاني، الأمر الذي جوبه بإستياء كبير على مواقع التواصل الاجتماعي، إلا أن صاحب الفواييه رضخ للأمر وطلب من الفتاة المغادرة. 
رغم أن الكل يعلم بأن الرويسات وبرج حمود والنبعة فيها الكثير من السكان الذين ينتمون الى الطائفة الشيعية، وهناك علاقات مودة وجيرة طيبة مع المحيط منذ عقود، إلا أن بعض النفوس المريضة بالطائفية لا تعي معنى التعايش والعيش المشترك، وكيف أن لبنان الرسالة ثروته هي بتعدد الأديان والمذاهب، وذلك لأنّ جرثومة العنف متغلغلة في الأعماق لدى من يتصرف بمثل هكذا أسلوب، لذا نراها تنعكس بسلوكياتهم وأفعالهم وأقوالهم كما حصل أيضًا عندما ذهبت إحدى المحجبات مع زوجها للسباحة في أحد المنتجعات وكانت ترتدي لباسًا خاصًا للبحر يتناسب مع الحجاب حيث تم منعها من السباحة هناك، وغيرها الكثير من الأمور التي تحصل في حياتنا اليومية..

ما يهمنا في هذه المقالة هو أن نلقي الضوء على أنه رغم كل هذه السلوكيات الشائنة من أي مصدر كان لا تعبر إلا عن الشخص نفسه وبالتالي لا يمكن التعميم بأن مثلًا كل المسيحيين يحقدون على المسلمين أو العكس. ولتعزيز مفهوم احترام الآخر، ما نحتاجه فعلًا هو التربية على المواطنة، التعرف على الآخر وكسر خطوط التماس النفسية التي بُنيت في فترة كان لبنان ينازع فيها، وبأن يكون هناك أنشطة تربوية مشتركة بين المدارس والثانويات بشكل دائم وزيارات ورحلات تعارف، العمل على توحيد كتاب التاريخ ليتم قراءة تاريخ هذا الوطن بقلب واحد وللتعلم من دروسه في الحاضر وبناء المستقبل الأفضل لكل اللبنانيين، والأهم تنفيس هذا الاحتقان الطائفي عبر إعادة مراقبة ما يبث على شاشاتنا وتوجيه برامج وخطاب إعلامي يحترم الآخر ويؤسس لمعنى الشراكة الحقيقية. ولحل هذه الآفة يتطلب الأمر خطابًا سياسيًا مسؤولًا يترفع عن الأنا الضيقة والمصالح الشخصية يعزز التعاون والعيش المشترك والتعايش، يستفيد من طاقات الشباب كل الشباب بعيدًا عن مفهوم الواسطة والمحاصصة، ويعمل على وضع قانون إنتخابي يشارك فيه كل اللبنانين بإنتخاب ممثليهم في مجلس النواب بعيدًا عن التقسيم المناطقي، الأمر لا يقف عند حد زعيم يجلس مع زعيم من طائفة أخرى، بل الأمر يتطلب عمل جدي وفعلي لإزالة الطائفية من النفوس قبل النصوص، للقيام بهكذا خطوة يتطلب الأمر جهود حثيثة من قبل الجهات المهنية، ويمكن تحقيقها إن كانت الإرادة والنية الحقيقية موجودة.. لبنان ليس قطعة جبنة ليتقاسمه الزعماء، بل أن لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه كما قال سماحة الامام السيد موسى الصدر.

*اختصاصية في علم النفس الاجتماعي